آخر الأخبار

الخطاب الإعلامي.. كيفية الضبط (1-2)

 

  • الإعيسر يدعو لأهمية ضبط الخطاب الإعلامي وأن تتحدث الدولة بلسان واحد
  • دعوة الإعيسر بداية لتصحيح المسار الإعلامي بشكل عام والحكومي بشكل خاص
  • واقعنا الإعلامي يستوجب من الجهات الرسمية في الدولة ضرورة تحديد الرسالة والخطاب

النذير إبراهيم العاقب:

لدى زيارته لمقر وكالة السودان للأنباء(سونا) دعا وزير الثقافة والإعلام خالد علي الأعيسر, لأهمية ضبط الخطاب الإعلامي وأن تتحدث الدولة بلسان واحد، وطالب المسؤولين بتخصيص التصريحات الخاصة لوكالة السودان للأنباء باعتبارها النافذة الإعلامية الرسمية للدولة، وذلك بهدف التجويد والابتعاد عن التشويش واللبس, وقال إن الدولة الآن في حاجة ماسة لتجويد الأداء الإعلامي الرسمي, ودعا إلى أهمية التقيد بالخطاب الإعلامي الموحد درءً للتشويش.
الحلقة الأضعف:
ولعل دعوة الإعيسر جاءت في وقتها تماماً من منطلق الإهمال المريع الذي ظل يواجهه الإعلام الحكومي بالتحديد، ومن أعلى المستويات الرسمية حتى صار الإعلام هو الحلقة الأضعف في كل السودان، مركزياً كان أو إقليمياً وولائياً، وذلك جرَّاء الإهمال المريع للإعلام، بدءً من التعيينات العشوائية وغيرالمتخصصة لوزراء الإعلام، فضلاً عن الإهمال لقطاع الصحفيين والإعلاميين عامة، والذين كان من الممكن أن يسهموا إسهاماً فاعلاً في التصدي للآلة الإعلامية الكبرى لمليشيا الدعم السريع الإرهابية المتمردة والتي وجدت أكبر دعم من إمارات الشر وأميرها العميل الصهيوني بن زايد لتقوية الموقف الحربي للمليشيا وإقناع المجتمع الدولي بشرعية التمرد على الحكومة السودانية، مقابل ضعف بائن وفظيع من قِبَل الإعلام الحكومي والرسمي، خاصة الناطق الرسمي السابق بإسم الحكومة السودانية والذي لم نسمع أو نقرأ له ولو تصريح واحد يصد الهجمات الإعلامية المضادة والعنيفة للآلة الإعلامية الضخمة للمليشيا الإرهابية المتمردة، اللهم إلَّا من خلال بعض الزملاء الصحفيين والصحفيات والإعلاميين الذين ظلوا ينافحون عن الدولة السودانية طوال العام ونصف التي مضت منذ بدء الحرب ، وعلى رأسهم وزير الإعلام الحالي خالد الإعيسر والذي نعتقد أن قرار تعيينه جاء متأخراً جداً، الأمر الذي ساهم بشكل مريع في تدهور الوضع الإعلامي على كل المستويات الحكومية في السودان.
تصحيح المسار:
الآن جاءت دعوة الإعيسر في وقتها تماماً، باعتبارها بداية لتصحيح المسار الإعلامي السوداني بشكل عام، والحكومي بشكل خاص، وذلك من منطلق أن الخطاب الإعلامي عامة يمثل مفهوماً أوسع من مجرد كونه حزمة من المعلومات التي تنقلها وسائل الإعلام إلى الجماهير، فالعلاقات القائمة داخل النظام التواصلي للخطاب الإعلامي في هذ الفترة العصيبة التي يمر بها السودان تمنحه أسلوباً خاصاً لتنظيم المعرفة بالموقف العملياتي الرسمي في المناطق الملتهبة، ويوصل الرسالة والمحُتوى والخطاب الإعلامي الرسمي كما يجب، بعيداً عن العشوائية والنشر السالب والمعلومات المغلوطة، كما تمنحه طابعاً ديناميكياً يتمثل في اكتسابه لمفهوم الممارسة الخطابية الفاعلة، وهذا المفهوم بلاشك يؤكد على جوهرية الخطاب الإعلامي وقدرته على العمل الإيجابي الفاعل، فهو يصنع ما يدور حولنا بدلاً من مجرد تمثيله، أو وضع الخطاب الإعلامي في خانة أنه مجرد مرآة تعكس ما حولنا بالسالب، بل إنه إعادة تأسيس لواقع جديد مبني على خطابات متعدّدة، فليس هناك نظام عام واحد للمعنى، ولكن هناك عدة خطابات إعلامية، حيث تتبدل المعاني من خطاب إلى آخر وفق الممارسات الإعلامية الخطابية التي تتغيّر كلما تغيّرت سياقات التلفظ والأحداث.
وصف معياري:
وكل ما سبق يشترط فيه الموضوعية التي تُعتبر شكلاً من أشكال الإلتزام بالمصداقية والشفافية والثقة والمصداقية والدقة لضمان مطابقة التقرير والتصريح لواقع يمكن التحقق منه، شريطة أن يستصحب الكمال بتقديم جميع النقاط الرئيسة ذات الصلة في الموضوع مثار التصريح الإعلامي المطلوب.
ما سقناه أعلاه يعتبر بمثابة وصف معياري لطريقة الإعلاميين في تعاطيهم مع الأحداث والأخبار الساخنة، وبمعنى آخر فإنَّها تمثل الطريقة التي يكون بها منتجو الخطاب الإعلامي في علاقة طردية مع قناعاتهم ومعتقداتهم وميولهم وآرائهم لإخضاع الخطاب الإعلامي للحوكمة الموضوعية على الدوام. ومع ذلك فإنَّ اللجوء إلى الضمني أحيانًا سيمنحهم الفرصة للتحرّر من قبضة الموضوعية وقبضة هذه المعايير بحيث يظلّون مبقين على هذه المعايير ولو شكليَّاً
وبناء على ماسبق فإنَّ الكلمات والعبارات التي تطلقها وسائل الإعلام يجب أن تمثل الواقع المعاش دائماً بطريقة معينة وتخلق أنواعاً محددة من العلاقات التي تتواصل بها الجهات الحكومية والرسمية مع الجماهير، ولهذا السبب تنحاز النصوص إلى حدّ ما إلى إيديولوجيا معينة، وهي في انحيازها لا تُصرّح بهذا الإنحياز لما تفرضه القيود الموضوعية على الخطاب الإعلامي من قواعد تتمثل في الحياد والتجرد، وإنَّما تتخذ أسلوبًا ضمنيًا في الكلمات والعبارات، حيث يبدو ظاهر إستعمال لغة الخطاب الإعلامي محايداً، إلَّا أنَّ قراءته بطريقة غير مباشرة يفضح إنتماؤه لآيديولوجية ما، وقد تفرض هذه الآيديولوجيا على الجماهير نمطاً ضمنياً مقبولاً من الخطاب الإعلامي الذي يواكب تصوّراتهم وقناعاتهم وما يؤمنون به فينجذبون إليه على حساب خطاب إعلامي آخر، لذا فإنَّ تلك المعتقدات والافتراضات التي لدى الناس في تصوّرهم لبعض الأشياء مثل ما هو جيد وسيئ، وما هو صواب وخطأ، وما هو طبيعي وغير طبيعي، حيث توفّر لنا الأيديولوجيات نماذج عن الكيفية التي يفترض بها أن يكون المسار الأفضل للخطاب الإعلامي المستقبلي في السودان.
وهذه النماذج لا يُعبّر عنها بشكل مباشر، ولكنّ كفاءة المنتجين والمتلقين التداولية تخلق نوعاً من التوافق والتواطؤ المبني على نماذج محددة في إنتاج مقاصد الخطاب الإعلامي القائم وفهمها، حيث إنَّ الآيديولوجيا في بعض الأحيان تساعد على خلق رؤية مشتركة، وشعور بالهدف بين الأشخاص في مجموعة معينة، ومن ناحية أخرى تُحِدُّ أيضاً من الطريقة التي ننظر بها إلى الواقع وتميل إلى تهميش الأشخاص والأشياء والأفكار التي لا تتناسب مع هذه النماذج أو إستبعادها, ولعل الخطاب الإعلامي في محاولته لإعادة إنتاج الواقع، لا يبدي هذا التهميش والإستبعاد في صورة مباشرة فجَّة، ولكنَّه يستغل إستعمال اللغة في كلماتها وعباراتها لإنتاج معانٍ ضِمنيَّة تُعبِّرعن ذلك التهميش والاستبعاد وتعبر عن ميله إلى واقع ما.
وإنَّ هذا النمط من الضمني الذي يُحتِّمه المكوِّن الآيديولوجي يتأسس على أنماط متنوعة من أنواع القبول والتفاوض والتحدّي والإجماع على الرأي، لذلك يعد هذا المكون مهما وحاسماً للدور الإستراتيجي للخطاب الإعلامي ومنتجيه في إعادة إنتاج الواقع وفق المعاني التي تتطلبها عملية تبليغ الخطاب.
تحديد الجمهور :
ولعل واقعنا الإعلامي الراهن يستوجب من الجهات الرسمية المسوؤلة في الدولة ضرورة تحديد الرسالة والخطاب, الجمهور باعتباره جزءٌ أساسي من عملية الإتصال، ولا يمكن بأي حال من الأحوال بناء خطاب إعلامي سليم إلا بتحديد الجمهور الذي يتوجه إليه بهذا الخطاب، وإذا لم تحدد الوسيلة الإعلامية جمهورها فلن تستطع تحديد رسالتها الإعلامية، وبالتالي لن يكون لديها خطاب إعلامي ناضج، تستطيع أن تصل به إلى الجمهور وتؤثر فيه.
وهناك تصنيفات كثيرة للجمهور بحسب المدارس المختلفة، ومعظمها يرتكز على العمر والجنس والمستوى التعليمي والثقافي والسياسي والإقتصادي والاجتماعي وغيرها من المعايير، حيث لا يمكن لوسيلة إعلام سودانية الآن على أن تخاطب الجمهور السوداني أياً كانت المدرسة التي تتبعها، دون أن تحدد هذا الجمهور تحديداً دقيقاً قدر الإمكان، ويمكن أن نتعرض لبعض الأمثلة لأهمية تحديد الجمهور، وذلك من حيث عدد السكان وتوزيعهم الجغرافي.