آخر الأخبار

(أصداء سودانية) تفتح ملف القطاع الزراعي مع د. تاج الدين عثمان (2-2)

  • لابد أن (نمشي على الشوك)  لتأسيس نهضة زراعية
  • بعض القوانين  تقادمت ولم تعد تستوعب التطورات الحديثة
حاورته – ناهد أوشي
طالب أمين عام وزارة الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية السابق د. تاج الدين عثمان الدولة بمراجعة سياسات الدعم الزراعي, وأعتبرالدعم المباشر الذي يدفع مقابل دعم المدخلات   ( شر لابد منه ), وقال يجب أن  تصرف الموارد التي تتوفرفي تقوية القواعد الإنتاجية والبني التحتية وتطرق للعديد من قضايا القطاع الزراعي خلال الحوار التالي…
*القطاع الزراعي يحتاج إلى توفير الدعم لتحقيق النجاح؟
  -يمكن تقسيم الدعم من حيث طبيعته إلى قسمين: مباشر وغير مباشر,فالدعم غير المباشر يشمل ما يتم صرفه على البني التحتية كالكهرباء والطرق والبحوث الزراعية والإرشاد الزراعي ونقل التقانة  وكذلك الاعفاءات الضريبية والجمركية ومكافحة الآفات القومية وما إلى ذلك ، وهذا الدعم مرغوب ومطلوب ، وكونه نصيب القطاع من الميزانيات العامة للدولة ، وهو مفيد للزراعة ولغيرها من القطاعات,أما الدعم المباشر الذي يدفع مقابل دعم المدخلات ، والدعم العيني والنقدي المباشر، ففيه نظر ، وهو ( شر لابد منه ) تفعله غالبية الدول ، حتى الدول الرأسمالية ، وهو  إن كان له فوائد آنية ، فإن مضاره كثيرة ، فهو يؤدي  إلى ضعف الإنتاجية وتبذير المدخلات ، والإضرار بالبيئة ، ونحن هنا يزيدنا ( كيل بعير) بأن يضل طريقه ولا يذهب إلى مستحقيه, فلا تصان الأموال ولا تتحقق الأهداف. وينبغي ألا نجاري الدول الغنية في ذلك ، لأن الدعم الذي يقدمونه هو سبب رئيسي لمنع إنتاج الدول الفقيرة من إرتياد هذه الأسواق, ولقد أكدت مجموعة ال (77) الدول النامية أمام قمة الأرض في جوهانسبرج أنها لن تتنازل أمام الدول الغنية بشأن مسألة الدعم الذي تقدمه الدول الصناعية للزراعة، وبشأن مطالبتها لهذه الدول بخفض قيمة الدعم بهدف إنهاء التفاوت الذي يعيق التنمية في الدول الفقيرة.
 إن الهدف الرئيسي للدولة هو المحافظة على القطاعات الانتاجية منتجة وحيوية وراسخة وقادرة على التطور والمنافسة,ولذلك فإن الدولة تتدخل لحماية إنتاجها أو منتجيها من أي تاثيرات سالبة وتستخدم لذلك كل وسائلها, كذلك من واجبها إحداث التوازن الداخلي بين المنتجين وعدم تغول فئات على فئات آخرى, وإحدي هذه الوسائل هو الدعم المباشر . هنا يتحول الدعم المباشر من ( شر لابد منه) إلى ( فرض عين ), لكن على الدولة مراجعة سياسات الدعم الزراعي، بحيث تتجه نحو الدعم الموجه – أولًا بتحديد أهداف واضحة ومحددة للدعم تنسجم مع أهداف الاستراتيجيات الموضوعة ،  مثل دعم صغار المزارعين وتعزيز قدرتهم علي الصمود والإنتاج في وجه التقلبات العنيفة ، وكذلك في أوقات الطوارئ والكوارث الطبيعية ،أو اذا ارادت الدولة تحديدًا إنتاج سلعة معينة ذات أبعاد سياسية أو استراتيجية ، أو لتلافي الآثار الجانبية  – علي المنتجين والمستهلكين  لسياسات اقتصادية أتبعتها الدولة.
   عمومًا وفي ظروف الاوضاع الاقتصادية الضاغطة من الأفضل للقطاع الإنتاجي – فيما  عدا الحالات الضرورية ذوات الأهداف المحددة  أن تصرف الموارد التي تتوفر  في تقوية القواعد الإنتاجية والبني التحتية ، بدلًا من صرفها لتحقيق فوائد وقتية سرعان ما يزول أثرها
وماذا عن البحوث الزراعية؟
 -لا شك أن البحث هو أساس نهضة العمل الزراعي ، بل وأساس كل نهضة, والبحوث الزراعية وبحوث الثروة الحيوانية  في السودان لها تاريخ طويل من الإنجازات والأعمال العظيمة,ولقد ولدت عبر السنين أجيالاً متعاقبة من الباحثين الأفذاذ، ولا تزال.
 والآن والبلاد تتهيأ لإعادة البناء والأعمار من جديد لابد من وقفة نستدرك فيها ما فات، نقوي ما ضعف ، و نستكمل ما غاب ، و دائماً إن في الإمكان خير مما كان، وبالطبع ليس أقدر على ذلك من الباحثين  أنفسهم للقيام بتلك المهمة, غير أن النقص لم يكن- في أغلبه – يعود إلى الباحثين، وإنما إلى أسباب أخرى تراكمت عليها عبر السنين, إن الشكوى التي لازمت البحوث الزراعية والحيوانية دايماً هي نقص الموارد المالية اللازمة لتسيير البحوث وتجديد واستجلاب الأجهزة والمعدات التقنية الحديثة ، و عدم وجود استراتيجية لتسويق منتجات البحث العلمي.
*عقب انتهاء الحرب ماهي مطلوبات إعمار القطاع الزراعي   ؟
  -حقيقة  إن مرحلة ما بعد الحرب سوف تكون مرحلة صعبة اقتصادياً، ولكن على الدولة ألا تستسهل الحلول، وأن تمشي على الشوك لتوفر للبحث العلمي – الزراعي خصوصاً  من ميزانية الدولة ما هو ممكن  للمساهمة في تأسيس نهضة زراعية قائمة على البحث الرصين والموجه, ومع ذلك لابد من التفكير في طرق تمويل مستحدثة إضافية ، كذلك من الضروري إعطاء المزيد من الاستقلالية  المالية والإدارية للبحوث، بحيث تكون قادرة علي تلقي قروض ومنح ، وإدرار مداخيل إضافية من أنشطة تجارية ذات صلة ، وتوسيع التعاون مع القطاع الخاص، هذا فقط للمثال وليس حصراً مما يمكن أن تتفتق عنه عقول الباحثين أنفسهم,هذا لأن نقص التمويل قد يجعلها تنزل من( عليائها ) العلمي الرصين إلى (وحل ) الحلول الآنية السريعة قليلة الوزن, إن ضعف تسويق منتجات البحوث يعود جزئياً إلى المشاكل العامة التي لازمت البحوث ، ولكنها جزئياً  أيضاً لوزن هذه البحوث.
غير أن المهم أيضاً  هو ربط البحوث بخطة قومية استراتيجية واحدة لتحقيق أهداف محددة سلفاً ، فمثلاً في مركز بحثي  لتقاوي البطاطس في هولندا ، أبلغنا محدثنا إن إنتاج صنف جديد واحد من تقاوي البطاطس قد يستغرق أربعين عاماً، وفق خطة بحث وإنتاج واحدة ، ويعمل فيه أجيال من الباحثين.
ما هو دورالتصنيع الزراعي في  التنمية الزراعية؟ 
    -يعتبر التصنيع الزراعي  مساهمًا في التنمية الزراعية  بما يمثله من الروابط الأمامية والخلفية  للقطاع الزراعي مع القطاع الصناعي, فالروابط الأمامية تتمثل في المنتجات الزراعية التي تستخدم كمواد خام أو مدخلات للصناعة ، فيقوم بتحويلها إلي منتجات صناعية غذائية ، ويساهم في اتساع سوق المنتجات الزراعية وتحقيق التوازن بين العرض والطلب ، وزيادة دخول المزارعين. ويرتبط القطاع الزراعي بالقطاع الصناعي بروابط خلفية  تتمثل في أنواع أخري من الصناعات مثل صناعة الأسمدة الكيماوية والمبيدات والآلات الزراعية.
    وقد وجد الباحثون انه تنشأ من هذه الروابط علاقات تشابكية وتكاملية بين القطاعين, وهذه العلاقة تعتبر شرطًا ضروريًا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة لأي اقتصاد ، حيث يعتمد النمو في القطاع الصناعي بدرجة كبيرة علي زيادة مشتريات القطاع الزراعي من السلع الصناعية وعلي مدي توفر المواد الخام الزراعية اللازمة للتصنيع ، كما أن النمو في القطاع الزراعي يعتمد بدرجة كبيرة علي طلب القطاع الصناعي علي السلع الزراعية.
   يعاني القطاع الصناعي في السودان من مشاكل مزمنة تتمثل في نقص الطاقة الكهربائية ، وتهالك البنية التحتية ، وضعف الكفاءة الإنتاجية ، وضعف التمويل ، وسوء الإدارة ، وينطبق كل ذلك علي التصنيع الزراعي ، علاوة علي التكدس في ولاية الخرطوم ، التي هي ليست منطقة إنتاج زراعي كثيف.
إن التصنيع الزراعي هو وجه العملة الأخري للزراعة ، ولابد من النظر إليهما معاً وحل مشاكلهما معاً ، من خلال حزمة مترابطة من السياسات والاستراتيجيات والخطط ، ومزايا وحوافز الاستثمار.
*كيف يكون الإطار التشريعي ؟
  يتحقق عبر المواءمة بين القوانين, حيث أن القطاع الزراعي, قطاع اقتصادي حيوي وله عدة ارتباطات مع كثير من القطاعات، كقطاع الصحة  والبيئة والتخطيط الحضري والصناعة والمياه والتجارة والجمارك وغير ذلك,ومن الطبيعي أن تكون هناك تكاملات  أو تقاطعات  و تماسات بينه وبين تلك القطاعات, فعلي سبيل المثال يوجد تنافس بين قطاعات الزراعة والسكن والصناعة والخدمات علي استخدامات الأراضي ، كما توجد تقاطعات بين الزراعة والصحة والبيئة وما إلى ذلك ، فمن الضروري مواءمة هذه التماسات وحل التقاطعات بما يؤدي إلى عدم التصادم ، واليّ تعزيز التكاملات خدمة للقطاعات معاً . خاصة وأن هذه القوانين قد تم سنها في أوقات مختلفة متباينة تبايناً شديداً ، وأن بعضها قد تقادم ولم يعد يستوعب التطورات الحديثة في كافة الأصعدة.