آخر الأخبار

أشهر الجرائم والقضايا بالمحاكم السودانية.. (4)

 

قاتل الروح ما بروح

  • تفاصيل جريمة القتل الغامضة بأحد منازل الخرطوم ثلاثة
  • قميص يقود الشرطة القبض على قتلة مدرب كرة السلة الشهير
  • أحد القتلة يصاب بالجنون ويعيش داخل مقابر فاروق.. إنها عدالة السماء!
  • رجل مباحث عاش أياما داخل المجاري مع الشماسة ليكتشف سر الجريمة
  • الأستاذة راشدة المحامي: لولا خبرة وحذاقة ضابط المحكمة لأفلت أحد القتلة من حبل المشنقة

الأستاذة راشدة المحامي

تحقيق: التاج عثمان

**جرائم وقضايا تعد الأشهر والأغرب في تاريخ القضاء السوداني بسببها شهدت قاعات المحاكم جلسات عاصفة وجدل قانوني محتدم بين ممثلي الادعاء ومحاميي المتهمين.. ومن خلال نشر حيثيات القضايا ومرافعاتها ودفوعاتها داخل أروقة المحاكم المختلفة نهدف لتقديم ثقافة قانونية رفيعة للقراء والمحامين الجُدد وطلاب وطالبات القانون**

سرقة وقتل

الجريمة التي نستعرض حيثياتها من خلال هذه الحلقة الرابعة جريمة قتل بقصد السرقة، ورغم غموض الجريمة وإنعدام الأدلة التي تقود للقتلة إلا ان تيم المباحث المكلف بالقضية نجح بذكاء ومتابعة القبض على أحد القتلة وتقديمه للعدالة، لكن المتهم الثاني إختفى لأكثر من سنة ولم يتم القبض عليه، غير ان روح القتيل كانت له بالمرصاد وقادته لنفس قاعة المحكمة التي شهدت محاكمة زميله القاتل ولكن في تهمة سرقة أخرى فتعرف عليه ضابط المحكمة.. ومن هنا بدأت فصول وملابسات هذه القضية الغريبة..

مسرح الجريمة أحد المنازل بحي الخرطوم ثلاثة، وحوالى الثالثة صباحا تسلل أثنان من اللصوص للمنزل عبر السور وكان صاحبه يغط في نوم عميق في تلك الساعة المبكرة من اليوم لوحده بالمنزل.. وبسرعة تسلل اللصان للغرفة التي كان ينام فيها صاحب المنزل وسرقا بعض المال والملابس وأثناء خروجهما من الغرفة يحملان المسروقات شاهدا حذاء صاحب المنزل أسفل السرير الذي ينام عليه فحاولا سرقته ايضا فاحدثا بعض الجلبة صحا على أثرها صاحب المنزل فقاوهما إلا أنهما تمكنا من تسديد طعنة قاتلة له بسكين توفى على أثرها فورا كما أشار تقرير الطبيب الشرعي لاحقا، ثم هربا بمسروقاتهما.

وبما ان صاحب المنزل كان لوحده فلم يكتشف أحد مقتله.. وحوالى العاشرة صباحا لاحظ صاحب الدكان تدفق مياها غزيرة من داخل المنزل وما لفت إنتباهه انه وجد باب المنزل الخارجي مفتوحا على مصراعيه وعربة صاحب المنزل موجودة داخله ، فتوجس بينه وبين نفسه ان أمرا جلل قد يكون لحق بجاره، فدخل غرفته ويا هول ما رأى، شاهد جاره صاحب المنزل على الأرض سابحا في بركة من الدماء ميتا!!.

وكر الشماسة

إتصل صاحب الدكان بشقيق المرحوم والذي حضر على الفور فإتصل بالشرطة والتي حضرت بسرعة وعاينت مسرح الجريمة وتم فتح بلاغ بواسطة شقيق المرحوم والذي يعمل مدربا لفريق كرة السلة بجامعة الخرطوم.. الجريمة غامضة كما تبين للمتحرين، فالمرحوم لا أعداء له، وحامت الشبهات حول الشماسة الذين يتواجدون بمنطقة الخرطوم ثلاثة ويقيمون داخل احد المجاري قريبا من المنزل الذي شهد جريمة القتل.. فما كان من أحد افراد المباحث أن إنتحل صفة شماسي مدعيا انه شماسي جاء من خارج الخرطوم وعاش معهم داخل المجرى وعاشرهم وتعايش معهم واخذ يتحدث بمصطلحاتهم (الرندوق) لأيام حتى إطمأنوا له واصبحوا يعاملونه وكأنه شماسي مثلهم رغم فارق العمر.. وعادة بعد إنتهاء الشماسة من تجوالهم وتسكعهم داخل أسواق الخرطوم يعودون بعد المغرب لوكرهم بالمجرى الذي إتخذوه مسكنا لهم تحت الأرض يطبخون داخله الكرتة بعدها يتسامرون الكل يحكي لزملائه ما حدث معه خلال اليوم.. وذات يوم أخذوا يتحدثون ان هناك شخص تمت سرقته داخل منزله بواسطة أثنين من الشماسة وعندما قاومهما قتلاه بسكين.

لم يستعجل رجل المباحث المتقمص دور الشماسي فإنتظر حتى الصباح وخرج جميع الشماسة للأسواق بينما توج هو لوحدته الشرطية واخبرهم بما سمع.. هنا خطرت للمتحري فكرة لو نجحت فسوف يتم القبض على القتله، فإستدعى زوجة شقيق المرحوم وسألها عن آخر مرة شاهدته فيها، فذكرت ان المرحوم كان معهم بمنزلهم بالليل.. فسألها عما كان يرتدي، فاجابت قميص اوصفته لهم شكلا ولونا.. وعلى الفور إنطلق أفراد المباحث يبحثون عن الشماسة حسب وصفهم الذي ادلى به زميلهم رجل المباحث الخبرة والشماسي المزيف وداهموهم في وكرهم داخل المجرى بالخرطوم ثلاثة الذي يقيمون فيه وتم القبض على مجموعتهم، وبمزيد من التحريات إعترف أثنان منهم بجريمة السرقة، وكان احدهما يرتدي قميص المرحوم القتيل وكان بنفس وصف زوجة شقيق المرحوم، وكان احدهما من جنوب السودان والثاني من الشمال، كما إعترفا بسرقة عدد من  المنازل الأخرى بحي الخرطوم ثلاثة لكنهما لم يعترفا بجريمة القتل.. ورغما عن ذلك ادانتهما المحكمة وقرنت جريمة السرقة بجريمة القتل وحكمت عليهما بالإعدام شنقا حتى الموت.. فقام محامي من مكتب العون القانوني بعمل إستئناف للحكم بمحكمة الإستئناف والتي برأتهما، فقامت إدارة السجن بإطلاق سراحهما إستنادا لحكم محكمة الإستئناف.

عدالة السماء

بعدها قام مكتب المحامي الأستاذ محمد المامون احمد عبده المشهور بـ(مامون عبده) ممثل الإتهام واولياء الدم في القضية بعمل طعن في المحكمة العليا والتي ادانتهما بالإعدام لكليهما، وتم الإتصال على أولياء الدم لجلب المتهمين الأثنين اللذين اطلق سراحهما من السجن بعد تبرأتهما من محكمة الإستئناف.. وأخذ أهل القتيل يبحثون عن المتهمين دون جدوى.. وكان شقيق المرحوم لديه كافتيريا بشارع 15 العمارا وذات يوم شاهد المتهم الشمالي الذي ادانته محكمة الإستئناف في جريمة قتل شقيقه، شاهده وهو بمقابر فاروق يرتدي اسمالا بالية رثة فتعرف عليه انه قاتل شقيقه برفقة المتهم الثاني الجنوبي، لكنه اصبح مجنونا وكان وقتها لسان حاله يقول: “ربنا عاقب قاتل شقيقي في الدنيا قبل الآخرة.. انها عدالة السماء حكمت عليه بالجنون لفداحة الجُرم الذي إرتكبه بقتله لإنسان والذي حرم الله قتله إلا بالحق”، وبالطبع تركه مع جنونه وإنصرف لحاله.

مفاجأة داخل المحكمة

اما المتهم الجنوبي الثاني والذي ادانته محكمة الإستئناف بالبراءة مع المتهم الآخر، ثم ادانته المحكمة العليا بالإعدام فلم يعثر عليه وكأن الأرض إبتلعته، فرغم البحث المضني والمستمر عنه بواسطة أولياء الدم والمباحث إلا انه لم يعثر له على أثر.. وذات مرة وفي جلسة لمحاكمة متهم في جريمة سرقة في نفس قاعة المحكمة التي شهدت جلسات قضية القتل وبنفس القاضي الذي نظر فيها، دخل احد المتهمين في جريمة سرقة وقدم نفسه باسم (…).. وبعد إنتهاء الجلسة أمر القاضي بوضعه في الحراسة الملحقة بالمحكمة لحين إرجاعه للسجن.. وكان  ضابط  المحكمة عريف شرطة  قديم  له خبرة ثاقبة بالمتهمين وبعد الجلسة قال للقاضي: “سعادة القاضي المتهم الجنوبي الذي وقف امام المحكمة قبل قليل بتهمة السرقة هو نفس الشخص المتهم في قضية القتل العمد بالخرطوم ثلاثة والتي مضى عليها اكثر من سنة”.

إندهش القاضي وأمر بإحضار المتهم الجنوبي من الحراسة.. وكان المتهم القاتل قد ظهر في قضية السرقة الأخيرة بإسم آخر خلاف الإسم الذي ذكره للمحكمة عند محاكمته بجريمة القتل قبل سنة.. كان القاضي من القضاة المحنكين، ففاجأ المتهم الجنوبي الواقف امامه بالسؤال:

*إنت مش متهم في جريمة قتل وتحاكمت في هذه المحكمة؟”.

ــ فاجابه الجنوبي:”ايوه، لكن محكمة الإستئناف برأتني، وإدارة السجن اطلقت سراحي”.

ومن إجابة المتهم الجنوبي ثبت للقاضي ان الشخص الواقف امامه في المحكمة هو نفس الشخص الذي شارك في جريمة القتل بأحد المنازل بالخرطوم ثلاثة.. وعلى الفور خاطب القاضي إدارة السجن بوضع المتهم في زنازين الإعدام إنتظارا لتنفيذ عقوبة الإعدام عليه في جريمته الأولى وإلحاقه بزميله المشارك معه في جريمة القتل والذي نفذ فيه الإعدام فعلا.

أثناء بقاء الجنوبي في السجن إنتظارا لتنفيذ عقوبة الإعدام عليه أشهر إسلامه داخل السجن وحفظ المصحف، وتدخلت الاجاويد لدى شقيق القتيل للعفو عنه بعد ان أسلم وحفظ القرآن داخل السجن، وعندما شاور شقيق القتيل أولياء الدم وهم أشقاء القتيل رفضوا العفو عنه، وبالتالي تم تنفيذ حكم الإعدام عليه شنقا حتى الموت ليلحق بزميله الآخر.

مغزى القضية

الأستاذة راشدة إسماعيل المحامي تعلق على هذه القضية الغريبة بقولها:” المغزى في القضية ان رجل الشرطة زمان لديه نظرة فاحصة في المتهم الذي يدخل المحكمة.. ولولا حذاقة وخبرة عريف الشرطة ضابط المحكمة لأفلت الجنوبي القاتل من حبل المشنقة.. ولكن انطبق عليه المثل السوداني القائل: “قاتل الروح ما بروح”.