فوضى الوجود الأجنبي في السودان.. (3 ــ 3)
- كيف ومتى ولماذا تسلل ملايين الأجانب للسودان؟
- بعض اللاجئين عملوا كجواسيس ومرشدين للمليشيا المتمردة
- وزير الداخلية: الوجود الأجنبي ترك آثارا سالبة على الدولة والمجتمع
- والي الخرطوم: قرارات رادعة لحسم الوجود الأجنبي غير المقنن بالولاية
تحقيق – التاج عثمان:
ظل السودان منذ سنوات طويلة يعاني من فوضى خطيرة من الوجود الأجنبي سواء بالعاصمة الخرطوم او بقية المدن الكبرى الأخرى متسببة في إفراز الكثير من الآثار السالبة التي إنسحبت على كل مناحي الحياة الاقتصادية والإجتماعية والصحية والأمنية والديموغرافية .. فوضى عارمة وصلت لدرجة ان الجنسيات والجوازات السودانية أصبحت في متناول الأجانب بكل سهولة ويسر لمن يدفع الثمن المطلوب والمصيبة الكبرى ان المئات من الأجانب من اللاجئين شاركوا في القتال ضمن صفوف ميلشيا الدعم السريع.. التحقيق التالي يكشف كيف تسلل ملايين الأجانب بطرق غير قانونية للبلاد قبل الحرب خلال السنوات السابقة
سؤال محوري:
سؤال محوري نبدأ به هذه الحلقة الثالثة والأخيرة وهو: كيف دخل كل هذا العدد من الأجانب للسودان حتى وصل عدد الأجانب غير القانونيين بالسودان، والذين تسللوا للبلاد عبر العهود السابقة ، إلى (3) ملايين و(683) يقيمون بصورة غير قانونية؟، وبعض المراقبين يرون أن الرقم المذكور متواضع للغاية ويرون أنه أكبر من ذلك بكثير.. الإجابة شائكة لأن الأسباب كثيرة ومتشعبة منها على سبيل المثال: السيولة المفرطة في ضبط المتسللين من الدول المجاورة عبر المعابر الحدودية.. والتساهل في تطبيق القوانين والتي تسببت بدورها في فوضى الوجود الأجنبي وآثاره السالبة.. النشاط المفرط لشبكات التهريب والإتجار بالبشر وعصابات التسول لتوريد المتسولين من بعض الدول الافريقية المجاورة لممارسة مهنة التسول بمدن البلاد المختلفة.. الأخطاء المتراكمة منذ سنوات عديدة وعدم الاهتمام بهذا الملف.. تجاهل معالجة القضية والإستخفاف بخطورتها فاقم كثيرا من قضية الوجود الأجنبي في السودان.. عدم جدية الحملات .. الحملات الموسمية عديمة الجدوى ــ حملات المناسبات ــ والتي يلاحظ أنها لا تنشط إلا عند زيارة رئيس دولة للسودان أو خلال الأعياد الرسمية والدينية.
حراسة المعابر:
اللواء صلاح الدين آدم عمر مدير دائرة الشئون العامة بالإدارة العامة للجوازات يضيف للأسباب السابقة المزيد بقوله: سبب تدفق الأجانب على السودان يعود إلى عدم تفعيل حراسة المعابر وضبط الحدود السودانية واسعة المساحة مع دول الجوار الافريقية، ما عدا معبري اشكيت وارقين مع مصر.
مراجعة الهوية:
من جهته قال اللواء سامي الصديق مدير الإدارة العامة للسجل المدني عبر المؤتمر الصحفي للجنة التحضيرية لورشة ضبط الوجود الأجنبي ومراجعة الهوية والتي انعقدت الثلاثاء الموافق 19 نوفمبر الماضي بمشاركة كافة الجهات ذات الصلة وولاة الولايات الحدودية: التعامل مع اللاجئين من دولة جنوب السودان سيكون بصفة اللجوء، فهم أكثر اللاجئين الذين تضررنا منهم، ولقد أخطانا في التعامل معهم وتضررنا كثيرا بمشاركتهم في الحرب واستخدامهم من الدعم السريع كجنود.. فمسألة الوجود الأجنبي تحتاج لوقفة خاصة من الأجهزة الأمنية والحكومية لتقنينها باعتبارها تتعلق بسيادة الدولة والامن القومي.
آثار سالبة:
وزارة الداخلية من جانبها سارعت بتطبيق حزمة من الضوابط تشمل سلسلة من الإجراءات لضبط الوجود الأجنبي غير المقنن، وتتضمن إصلاحات تشريعية ومراجعة السجل المدني والهويات الصادرة للأجانب وحظر المشكوك فيها.. وعلمت الصحيفة انه تم تشكيل لجان على مستوى المحليات لرصد وحصر الأجانب الموجودين بالمحليات المختلفة، بجانب توجيه لجان الشرطة المجتمعية بحصر وجود الأجانب على مستوى الاحياء.. وفي هذا الجانب قال وزير الداخلية المكلف اللواء معاش خليل باشا سايرين: الوجود الأجنبي بشقيه المقنن وغير المقنن ترك آثارا سالبة على الدولة والمجتمع بمشاركة اعداد كبيرة منهم في الحرب مما يتطلب مراجعة هذا الوجود بطرق علمية وعملية وذلك نتيجة لمشاركة مجموعات من الأجانب في الحرب كمرتزقة مما أسهم في إطالة امد الحرب.
ولم يكشف الوزير جنسيات الأجانب الذين انضموا للقتال بجانب مليشيا الدعم السريع، إلا انه أضاف شارحا: الأجانب المقيمون داخل الدولة شاركوا في القتال ضد البلد التي كانوا ضيوفا عندها دون مراعاة لحرمتها وحسن معاملتها لهم، ولذلك كان لا بد من تصحيح مسار الوجود الأجنبي في البلاد”.
إهتمام حكومة الخرطوم:
متابعة الصحيفة لهذا الملف الشائك كشفت أن حكومة ولاية الخرطوم أولت ملف الوجود الأجنبي إهتمامها المطلوب، يعكس ذلك ما صرح به أحمد عثمان حمزة والي ولاية الخرطوم المكلف بقوله: أمهلت الولاية الأجانب الموجودين بها بطريقة غير قانونية فترة إسبوعين لمغادرة الولاية والمناطق المحيطة بها إلى دولهم، وفي حالة عدم خروجهم ستتخذ إجراءات رادعة لمن يوجد منهم بالعاصمة الخرطوم بصورة غير شرعية بعد إنقضاء المهلة المحددة.. هذا القرار الذي إتخذته حكومة ولاية الخرطوم جاء بعد تورط الالاف من الأجانب الذين يقيمون بالسودان في القتال إلى جانب الدعم السريع في مواجهة الجيش”.
إنطلاق الحملات:
آخر المعلومات التي تواترت إلى الصحيفة أن حملات ضبط الوجود الأجنبي بولاية الخرطوم قد بدأت فعلا، حيث نفذت الولاية (32) حملة، ضبطت من خلالها (592) أجنبيا ليس لديهم أي مستندات ثبوتية, وإستنادا لإفادة مصادر الصحيفة بالولاية فإن حملات ضبط الوجود الأجنبي بولاية الخرطوم لن تتوقف وسوف تستمر حتى تفريغ كل الولاية بمحلياتها ومدنها من أي وجود أجنبي غير مقنن.
كما إنتظمت حملات مماثلة بولايتي الشمالية ونهر النيل أثمرت عن ضبط (240) أجنبيا, كما تم ضبط المئات من الأجانب المخالفين بالقضارف، منهم العشرات من اللاجئين الأثيوبيين الذين قاتلوا في صفوف مليشيا الدعم السريع، وللأسف، بعضهم كان يستضيفهم السودان في معسكرات اللاجئين بولاية القضارف، بمعنى أنهم خرجوا من معسكرات اللجوء للقتال بجانب صفوف مليشيا الدعم السريع المتمردة، ما يثبت إنهم كانوا يتواصلون بطريقة أو بأخرى مع الدعم السريع أثناء تواجدهم داخل معسكر اللجوء بالقضارف، وهذا في حد ذاته خلل أمني وسيولة أمنية لترك اللاجئين يتحركون بحرية كاملة داخل القضارف من دون حسيب او رقيب ما يشكل خطر كبير على امن الولاية ككل، حيث كشفنا في سياق التحقيق أن بعض اللاجئين عملوا كجواسيس ومرشدين للمليشيا المتمردة بحكم معرفتهم لبعض المدن ومنها العاصمة الخرطوم, والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا: كيف خرج عشرات اللاجئين من معسكرات اللجوء بالقضارف ووصلوا حتى الخرطوم ليشاركوا في القتال في صفوف مليشيا الدعم السريع المتمردة؟.
مفوضية اللاجئين:
حتى تأتي قرارات الدولة السودانية بخصوص التواجد الفوضوي للاجئين بالسودان سليمة وفاعلة ولا شائبة فيها يفترض التنسيق مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لكونها الجهة المسؤولة عن التنسيق في شأن حماية اللاجئين ومعالجة أوضاعهم, وفي هذا الخصوص ترى (مجموعة محامو الطوارئ) أن إبعاد اللاجئين بقرار من السلطات السودانية وحدها مخالف للقوانين والأعراف الدولية باعتبار أن المفوضية هي المسئولة عن التنسيق في شأن حماية اللاجئين ومعالجة أوضاعهم والنظر في أمر ترحيلهم إلى أي بلد آخر يختارونه ويقبل بهم, من جانبنا نتساءل: هل قانون اللجوء أو مفوضية اللاجئين يحميان اللاجئين المجرمين الذين شاركوا في القتال مع مليشيا الدعم السريع المتمردة ضد الدولة السودانية المضيفة؟.