آخر الأخبار

قطارٌ يمضي.. ومحطاتٌ تَمرّ

بعد .. و .. مسافة 
مصطفى أبو العزائم 

*يا له من زحام ، ويا لها من وجوه, كأنما صدر قرار بأن تكون الوجوه مكفهرّة ، والعيون دامعة، والقلوب واجفة ، والنظرات شاردة .. بعض الناس يحمل حقيبة سفر واحدة صغيرة ، وبعضهم بلا حقائب ، وآخرون يمسكون بملفاتٍ تضمنت كل مسيرتهم ، وصور حياتهم ، وخلف كل واحد من أولئك الناس ذاكرة تختزن حلو المواقف والصور,ومرّها.
*ميدان المحطة الخارجي ، ما عاد ميداناً تقف عنده سيارات الذين جاءوا لـ(يقدموا) عزيزاً أو ليودعوا صديقاً ، وما عاد ميدان المحطة الخارجي ، موقفاً فيه متسع لسيارات الأجرة ، كما لم يعد متكأً لسائقين كسالى ، يمسكون على عجلة القيادة داخل سياراتهم القديمة ، ويضعون رؤوسهم على تلك الأيدي المعروفة ، الناحلة وهم يغمضون أعينهم سعياً وراء أحلام لذيذة ، يصنعونها بأنفسهم من وحي خيال تلفه الأمنيات والأشواق ، والتمرد على واقع ما عاد محبباً لهم.
*أرصفة كثيرة ، متعددة ، ورجال لم يلههم شيء عن التحدث في القطارات التي تطلق صافراتها بين الحين والآخر ، تستحث الرجال والشباب على أن يسرعوا الخطى.
*وقف وحيد غارقاً في الحيرة ، لم ينتبه إلى أن ساحات المحطة الداخلية خالية من النساء ، خالية تماماً ، لا توجد امرأة واحدة ولا تحمل أنسام ذلك اليوم الخريفي رائحة عطر نسائي .. وقد طغت رائحة العرق الرجالي ، بينما تبللت بعض الملابس بذلك العرق البارد الذي سال من الجباه ، وأفرزته بعض المناطق التي تلتقي عندها مفاصل الأجساد الواهنة.
*في رصيف آخر، كان فرح في اللا شيء، حتى أنه لم يَر صديقه سعيد الذي لم يكن يبعد عنه سوى أمتار قليلة ، لكنه كان مثله ، يحّدق في مجهول ، ويقرأ في كتاب لم يتعلم لغته التي كُتب بها بعد ، لغة تبدو أمامه عجيبة لكنها راقصة ، غريبة لكنها ملونة ، حتى أنه كان يرى من يمر أمامه من رواد المحطة في ذلك الصباح ، كأنما هُمُ خيوط دخان يخرج من بين ياقات الأقمصة باهتة الألوان.
*ميدان المحطة الخارجي كان يضجّ بحركة أناس لا هم بشر ، ولا هم خيال ، وخارج المحطة كانت الصور تتحول من لون إلى لون ، تبهت الألوان ، لكنها أصبحت مثل ألوان الماضي البعيد ، وتحول كل شيء إلى ماضٍ بعيد ، وتحولت كل اللوحة إلى لونين هما الأبيض والأسود.
*صافرة القطار على الرصيف الأول إنطلقت ، تحرك القطار وأصبح لعجلاته صراخاً حاداً يتعالى مع إزدياد سرعة الحركة ، ولماكينته هزيم عجيب ، بينما رجل شديد بياض البشرة ، شديد بياض الثياب ، يحمل راية بيضاء ، يحركها بقوة وسرعة وهو يرفعها بيمناه، ليمنح الإذن بانطلاق الرحلة الأولى .. ولا أحد يلتفت إلى القطار المتحرك ، في الوقت الذي إنطلقت ، فهي أكثر من صافرة تؤذن برحلات أخرى في اتجاهات جديدة ، وحركة المسافرين نحو تلك القطارات ما عادت تلفت أحداً ، فالكل ينشغل بوجهته ، حتى أن سعيداً داس على قدم توأمه سعد دون أن يشعر به وسار في طريقه نحو وجهة لا يتجه نحوها الشقيق التوأم.
*إسحق لم ير تجاني زميل دراسته في مراحل التعليم العام ، وهو يحاول قراءة رقم عربة القطار المُجدّدة والتي تفوح منها رائحة الطلاء الجديد.
*ناظر المحطة كان هو الوحيد الذي يحادث نفسه، ويقول لها بصوت يكاد يدك ما حوله داخل المحطة وخارجها : لقد أصبح كل رواد المحطة من الرجال، القطارات تزحف إلى خارج القضبان بلا عودة .. وخلف ميدان المحطة ، عالم جديد لكنه لا يتجدد .. عالم يضحك فيه الأطفال, وتبكي النساء.
*تيبست يد ناظر المحطة ، وهو يشير إلى شخص غائب من مساعديه ليمنح الإذن لآخر قاطرة في المحطة بالتحرك .. تيبست يد الناظر ، وتحجرت دمعة في عينيه ، ولمعت مثل حبة ألماس ، وأصبح تمثالاً أثرياً ينتظر من يحمله إلى أحد المتاحف ، أو يبيعه لهواة جمع الآثار في الخارج.
*تحركت القطارات في أوقات مختلفة ، تحمل في جوفها الرجال ، ورغبات النساء وأحلام الصغار ، لكن الذي لم يعلم به أولئك الذين حملتهم عربات القطارات البطيئة ، أن الرحلة لا نهاية لها .. رحلة تمر بكل المحطات حتى آخر العمر الذي تتيبس فيه السواعد وتتحجر فيه الدموع ، ويتحول فيه الناس مثل ناظر المحطة إلى تماثيل وآثار من الماضي البعيد.