
متلازمة الوافد الغنى وفقر المواطن الأصيل..قرن من الزمان
تلاوين
د. عبد اللطيف مجتبى
هنالك متلازمة تاريخانية تطل برأسها بين حين وآخر في تاريخ السودان و هي في الغالب أشبه بنظرية الغريب الحكيم، وهو ذلك الوافد من مكان بعيد ليستقر قريبا بين عشيرة من الناس فيظل يظهر لها خبرات و يقدم حلولا لمشاكلهم حتى يتبوأ بين الناس مكاناً علياً ثم يصبح الرجل الأول في القرية بيده الحل والعقد.
ولكن ربما هذه المتلازمة من زاوية أخرى أقتصادية تكون أكثر وضوحاً بالنظر إلى حالات – تبدت للعيان – مرتبطة بتاريخ أفراد و أسر و مجموعات وتكتلات اقتصادية ذات أصول وافدة وجدت في السودان وأرضه مفاتيح للثراء و الحياة الرغيدة حتى أصبحت ذات تأثير واضح في حياتنا منذ زمن بعيد، و قد وثقت الكثير من الأعمال الأدبية و السير الذاتية لأناس جاءوا في لحظات تاريخية تكاملت فيها ظروف ذاتية وموضوعية لهم فوجدوا ضالتهم الاقتصادية، ولعل من تلك الوثائق قصيدة كُتبت ثلاثينيات القرن الماضي للشاعر السوداني الثائر التيجاني يوسف بشير يقول فيها:
(قف بنا نملأ البلاد حماساً
ونقوض من ركنها المرجحن
هي للنازحين مورد جود
وهي للآهلين مبعث ضن
يستدرُّ الأجانب الخير منها
والثراء العريض في غير مَنًََِّّ )
فهي رغم أنها دعوة صريحة لمناهضة الاستعمار الذي ينعم بثروات البلاد – في ذلك الوقت – بينما يعاني أبناء البلد الفقر والفاقة، إلا أنها ظلت لحظة باقية نستلهمها كل حين، جاء فيه وافد وأثرى ومضى إلى حال سبيله لينضم إلى نادي الأغنياء العالمي مشهد متكرر ظللنا نتجرع كأس مرارته حيناً بعد حين أما آن الوقت لتصحيح الأوضاع و نقف عند هذه الأسئلة لنملأ البلاد حماساً ونقوض من ركنها المرجحن.
السؤال المهم هنا أنه: أليس بمقدور كل منا أن يكون بهذا الثراء العريض و بالتالي بلادنا أجمع؟ أليس بمقدورها أن تكون في مصاف الدول المتقدمة؟
فرجل مثل قائد المليشيا المدمرة المتمرد حميدتي – والجميع يعرف سيرته – استطاع أن يكون من أغنى أغنياء العالم في فترة قياسية من ثروات هذا البلد.. بعيدا عن الكيف و تلك الأسئلة التي تذهب بنا بعيدا عن موضوعنا ألا يشكل ذلك سؤالا لماذا يرزح هذا البلد و أهله تحت وطأة الفقر؟.. بعيدا عن نظرية المؤامرة و أن المستعمر لا يريد لنا أن نتقدم اقتصاديا.
هل جربنا أن نفكر خارج هذا الصندوق الأسود ونمتحن أنفسنا في أن كيف نصير أغنياء، دولةً أو أفراداًِ؟ هل تحررنا من ماضينا وزهونا و أنانا /ذاتنا الزائفة لنقف في مرآة نواقصنا وعيوبنا لنعرف ما هي الأدواء التي تنخر في جسد أمتنا السودانية؟
ما الذي ينقصنا كشعب مستثمر في أرضه و خيراته و مستقبله! ، ما أزمتنا التي أودت بنا إلى هذا المصير.!!!
المهم في الأمر أن هناك عظة و عبرة و درساً عميقاً علينا أن نتأمله، كما علينا أن نقف عند سؤال مهم جدا، و هو كيف ينجح الوافدون في تحقيق أهدافهم بهذا الشكل الملحوظ؟ و ما تلك التجارب الحديثة جدا في العشر أو العشرين سنة الأخيرة ببعيدة، فقد وفدت مجموعات من الأخوة العرب من سوريا وفلسطين على سبيل المثال إلى بلادنا نازحين من نير الحروب و الأزمات في بلادهم، فأصبحوا قوة أقتصادية ضاربة و قدموا تجارب ناجحة جدا في تحقيق ثروات طائلة.
ما السر الذي يجعلنا نقف أمامه حائرين و لا نجيب عن أسئلة ثائرة و ملاحظات دقيقة قدمها الشاعر التيجاني قبلما يقرب القرن من الزمان لتظل هذه المتلازمة باقية تتكرر ..
علينا أن نجعل من هذه التجارب محلا للبحث و مصدراً للإلهام للوقوف على أرض تحمل وعياً مختلفاً في مرحلة ما بعد الحرب التي نسأل الله تضع أوزارها قريبا.