آخر الأخبار

أشهر الجرائم والقضايا بالمحاكم السودانية.. (8): غدر إمرأة

 

 

الأستاذة راشدة إسماعيل المحامي.. القانون لا يحمي المغفلين

تحقيق: التاج عثمان

**جرائم وقضايا تعد الأشهر والأغرب في تاريخ القضاء السوداني بسببها شهدت قاعات المحاكم جلسات عاصفة وجدل قانوني محتدم بين ممثلي الادعاء ومحاميي المتهمين.. ومن خلال نشر حيثيات القضايا ومرافعاتها ودفوعاتها داخل أروقة المحاكم المختلفة نهدف لتقديم ثقافة قانونية رفيعة للقراء والمحامين الجُدد وطلاب وطالبات القانون**

زواج اسطوري

قضية هذه الحلقة الثامنة تجسد تماما ما جاء في القرآن الكريم: “إن كيدهن لعظيم” وفي ذات الوقت تعكس القاعدة القانونية القائلة: “القانون لا يحمي المغفلين”.. أحداث القضية تأتي متلاحقة مثيرة أشبه بالروايات العالمية المشوقة.. تذخر بالأحداث والتفاصيل الغريبة التي لا تخطر على بال أحد.. تفاصيلها ووقائعها تفضح مُكر بعض النساء وإنهن إذا رغبن في عمل شيء فإنهن يحصلن عليه حتما باي إسلوب كأن ينسجن حبال مصائدهن بصبر وطول بال غريبين حتى تقع الضحية العصفور المسكين (الزوج) في المصيدة.

زوج سوداني ينحدر من إحدى الولايات الوسطية، قضى معظم حياته خارج الوطن طلبا للعلم والرزق.. أكمل تعليمه الجامعي بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بدولة غربية وواصل تعليمه حتى حصل على الدكتوراة  في تخصصه.. ولما كان من الخريجين المتميزين تم إختياره للعمل بشركة بترول كبرى مشهورة بدولة خليجية.. عمل بها ردحا من الزمان وكان سفيرا لوطنه السودان بتفانيه في عمله وتطويره للشركة التي كان ينتمي إليها والتي أغدقت عليه بمرتب كبير دون موظفيها الأجانب الآخرين، كان يتقاضى مرتبا أضعاف ما يتقاضاه حتى الموظفين والخبراء الامريكان الذين يعملون معه في ذات الشركة.. فكون ثروة كبيرة من مرتبه بجانب الحوافز والمكآفات التي كان يتقاضاها من بعض الشركات العالمية نظير تقديم بعض الإستشارات لها.

ظل بطل قضيتنا يعمل حتى تقدم به العمر قليلا فقرر إكمال نصف دينه فعاد للسودان في أول إجازة له وأختارت له والدته إحدى الفتيات وحتى قبل ان يراها وافق على الإقتران بها، وهي من اسرة خرطومية كبيرة تقطن مع أسرتها بأحد الأحياء الراقية بالعاصمة الخرطوم، رغم ان العمر تقدم بها أيضا مثله.. وتم الزواج الأسطوري وأغدق العريس ما أغدق من مال على عروسته وعلى الحفل.. ثم غادرا لقضاء شهر العسل بجزيرة او (جنة) هايتي بالكاريبي.

كيدهن لعظيم

وبعد إنتهاء شهر العسل الذي إقترفا منه معا بشراهه، عاد بها للسودان ليغادر وحدة للدولة العربية التي يعمل بها لمواصلة عمله حتى يجهز لها وثائق السفر اللازمة لدخول تلك الدولة.. وبعد حين طارت له وشاهدت طبيعة عمله والمال الذي يتدفق عليه كالسيل.. فأضمرت في نفسها شرا، وبدأ شرها وكيدها العظيم بأن طلبت منه في دلال النساء عندما يردن الحصول على شيء من أزواجهن، قالت له:

“أنت ليس لديك منزلا بالخرطوم ودخلك يتيح لنا فيلا وليس منزلا عاديا، ولا ينقصك المال وعلينا ان نشيد منزلنا معا”.

ولما كان الزوج لا يفقه شيئا بما يدور في السودان لغيابه الطويل عن الوطن قال لها:” اوافقك رأيك هذا، لكن أولا نحتاج لقطعة أرض لنشيد عليها الفيلا”.. فردت عليه:

“هذه محلولة، فالمنزل المتواضع الذي أقيم فيه بالخرطوم ملكي سجله لي والدي قبل وفاته واوراقه موجودة وموقعه رائع لا غبار عليه، ويمكن ان نهدم البناء القديم ونشيد في مكانه فيلا من ثلاثة طوابق على الأقل”.

فراقت الفكرة للزوج، إلا أنه إستدرك:” لكن هناك عقبة قد تقف في طريق مشروعنا هذا”.. قالت له بإستغراب:”أي عقبة تقصد؟”.. قال:” البناء يحتاج لشخص موثوق به ليراقبه ميدانيا ويشتري المواد اللازمة”.. قالت له:” أنا سوف اراقبه وأشرف على اعمال البناء ولذلك سوف اعود للسودان لهذا الغرض”.. فوافقها، ومن ثم غادرت للسودان.

فيلا الأحلام

وفورا بدأ يرسل لها الأموال اللازمة، فقامت بهدم وإزالة منزلها القديم، وكلفت أحد المهندسين ورسم لها خارطة (فيلا الأحلام) ومن ثم بدأ العمل في البناء بواسطة المهندس المسئول وأحد المقاولين، وكانت تعلمه بمراحل البناء اول بأول.. وخلال شهور قليلة إكتملت الفيلا من ثلاثة طوابق كأحسن ما تكون وكانت تحفة معمارية رائعة بشهادة الجميع.. فالزوج لم يبخل في إرسال كل الأموال التي طلبتها منه زوجته.. ثم أرسل لها كل أثاثات الفيلا من الخارج، الصالون، الأنتريه، غرف النوم، الدولايب، الأدوات الصحية، وأطباق الطعام والشوك والسكاكين، والكبابي، والملاءات، والآسرة وغيرها وذلك حسب رغبة الزوجة.

وكان الزوج المخدوع يتوق العودة للسودان لرؤية الفيلا التي أنفق عليها كل ما إدخره من عمله بالدولة الخليجية التي يعمل بها لكن ظروف العمل حالت دون ذلك، فإكتفى بمراسلة زوجته.. ولكن بعد فترة لا حظ بعض الفتور ينتابها فأصبحت لا تتواصل معه كما كان يحدث في أول الأمر، إلا أنه بداية لم يأبه لذلك وعزا ذلك لإنشغالها بتربية أطفاله حيث انهما خلال فترة زواجهما رزقهما الله بثلاثة من الأبناء الذكور.

طرد الزوج

لم يدري الزوج المخدوع ان كوامن الشر بدأت تخرج من دواخل زوجته، وان الحب القديم او الأول كما يقولون بدأ ينتابها، حيث أنها كانت قبل زواجها منه تعيش قصة حب غاية في الرومانسية مع أحد الشباب والذي يصغرها بعدة سنوات، وعندما شاهد الفيلا أصبح يتقرب لها ويذكرها بحبهما القديم فإنساقت وراء حديثه المعسول ومن ثم بدأت علاقتهما القديمة تطفو للسطح.. وأصبح الحبيب الأول يلح عليها بإسلوب (ثعلبي) طالبا منها الطلاق من زوجها ووالد أطفالها والزواج به ليستعيدا عرش حبهما القديم.. فوافقت وبدأت تخطط لذلك بحيلة ودهاء ومكر.. وأول ما لاحظه الزوج انها بدأت تطلب منه أموالا كثيرة لتلبية طلبات حبيبها الأول متعذرة ببعض الحجج،  وبدا يشك في تصرفاتها خاصة بعد الجفاء الذي أصابها فأصبحت لا تهتم بمراسلته او التحدث معه عبر الهاتف.. فقرر وضع حد لشكوكه التي شغلته عن عمله، فاخذ إجازة وعاد للسودان دون إخطارها بمقدمه.. وعندما وصل الفيلا لم يتمالك نفسه من جمال تصميمها وروعة بنائها.. طرق الجرس فإستقبلته عاملة اجنبية لكنها لم تسمح له بدخول الفيلا حيث ان صاحبة الفيلا غير موجودة، لكنه أصر على الدخول فالعاملة لم تشاهده من قبل ولم تعرف انه زوجها فدخل واخذ يدور بناظريه في الفيلا من الداخل.. وبعد ساعات طوال عادت برفقة حبيبها القديم وهما يتضاحكان في غنج ودلال.. فوجئت الزوجة بوجود زوجها والذي تأكدت له كل شكوكه عند رؤيته لحبيبها القديم معها فإحتد معها وطلب منه الخروج من الفيلا إلا أنها رفضت بل طلبت منه الخروج هو وكانت عملية بأن طلبت من العاملة الأجنبية رمي حقائبه خارج الفيلا.. ولما قال لها الزوج انها فيلتي صرفت عليها كل مدخراتي، قالت له بسخرية مفرطة: “هذه فيلتي انا وأنت لا تمتلك فيها شيئا ولتخرج منها وأفعل ما يحلو لك فقط اطلب منك ورقة الطلاق فأنا لا ارغب في العيش معك”.

ذهول الزوج

خرج الزوج المخدوع يعاني من الصدمة والذهول وتوجه وبدلا من الإقامة بالفيلا أقام بأحد فنادق الخرطوم.. وعلم أنها ما طلبت الطلاق إلا للزواج بحبيبها الأول، وفي ثورة غضب قام بطلاقها وإرسال ورقة الطلاق لها، ومن ثم بدأ في مقاضاتها بالمحاكم لإستعادة أمواله التي أنفقها في بناء الفيلا.. وإنعقدت المحكمة بعد ان وكل محامي للدفاع عنه كشاكي ــ مدعي ــ ووقفت الزوجة في قفص الأتهام ــ مدعي عليها ــ والتي إدعت كذبا أن كل تكاليف البناء من مالها الخاص وكذلك القطعة التي شيدت عليها الفيلا وأثبتت للمحكمة بتقديمها للفواتير الخاصة بشراء مواد البناء واحضرت المهندس الذي اشرف على بناء الفيلا وكذلك أصحاب المغالق التي كانت تشتري منهم مواد البناء من اسمنت وسيخ وطوب وغيرها.. اما الزوج (المخدوع) فلم يثبت شيئا امام المحكمة فقط ذكر في أقواله انه كان يرسل لها الأموال من الدولة الخليجية وهي كانت تقوم بشراء مواد البناء والإشراف على مراحل تشييد البناء حتى إكتملت، وإعترف ان قطعة الأرض التي شيد عليها الفيلا ليست ملكه بل ملك زوجته.. ورفضت الزوجه أي تسوية كما طلب محاميه، فالزوجه  كانت مصرة على الإنفراد بالفيلا لوحدها.. وبالتالي حكمت المحكمة بالفيلا لصالح الزوجة.. وقام محامي الزوج بإستئناف الحكم لدى محكمة الإستئناف والتي ايدت قرار محكمة الموضوع.. أفلا ينطبق فعلا عنوان هذه القضية (غدر إمرأة) على هذه الزوجة.

الأستاذة (راشدة إسماعيل مكي احمد) المحامي وموثق العقود بالخرطوم بحري تعلق على هذه القضية بقولها:

“لا اجد تعليقا لهذه القضية سوى القول: (القانون لا يحمي المغفلين).. وغفلة هذا الزوج بدأت عندما وافق زوجته تشييد الفيلا على أرضها المسجلة بإسمها.. وغفلته الثانية تتمثل في عدم إمتلاكه لوثائق او إيصالات تثبت إرساله لاموال البناء لها، وأيضا ليس لديه شهود على ذلك، فالبناء قامت به الزوجة وهو بالخليج، ولديها شهود عرضتهم امام المحكمة وهم المهندس والمقاول وأصحاب المغالق التي كانت تشتري منهم مواد البناء وتستخرج الفواتير بإسمها.. ولو قدم الزوج ما يثبت إرساله لأموال وتكلفة البناء لزوجته من إيصالات وشهود كان يمكن للمحكمة ان تحكم على الزوجة بإرجاع تكلفة البناء لطليقها.. لكن الزوجة اثبتت ان القطعة التي عليها البناء وكذلك البناء ملكها، وان البناء تم خلال فترة الزواج وقبل الطلاق.. فالزوج وثق في زوجته وتعامل معها بحسن نية.. اما في حالة إثبات الزوج للمحكمة انه كان يرسل لها تكاليف بناء الفيلا بشهود او عبر إيصالات فكان يمكن للمحكمة عمل تسوية بان تدفع الزوجة لطليقها تكاليف البناء او جزء منها، وفي حالة رفضها يحكم عليها قاضي المحكمة المدنية الحبس لحين السداد او ما يعرف بـ(تبقى لحين السداد).. عموما هذه القضية درس مفيد لكل شخص يشيد عقارا على ارض زوجته او أحد أقاربه حتى لو كان أخ او اخت او عم وخلافهم.