آخر الأخبار

إذاعة ودمدني.. حكايات وذكريات

بعين مفتوحة 
د.خالد البلولة 

في الطابق الأول من مبنى وزارة الثقافة والإعلام بالإقليم الأوسط كانت ترقد إذاعة ودمدني آمنة مطمئنة، وكان المهندس صلاح طه يتخذ مكتبًا واسعًا وليس فخيمًا – لإدارة الإذاعة الأشهر بعد هنا أمدرمان كنتُ تائهًا بين المكاتب الأرضية التابعة لوزارة الثقافة والإعلام حين صادفتُ غيداءً حسناء مليحة فائقة الجمال، ترتدي ثوبًا ناصع البياض، عرفت لاحقًا أن اسمها سميرة الياس، عندما نادتها زميلتها قائلة: يا سميرة، الحقيني!”، فسألتها:وين مكاتب الإذاعة؟
فقالت: اطلع السلم ده تلقى الإذاعة.
صعدت درجات السلم وسألت أحد العاملين:وين مكتب المدير؟ فأجابني: آخر مكتب..طرقت باب المدير رغم أنه كان مفتوحًا، ولم أكن أعلم من هو المدير ولا أعرف أي شخص في الإذاعة، سمعت صوتًا من الداخل يقول: تفضل..دخلتُ عليه، فإذا به رجل مرحاب لطيف، أزال استقباله الحار رهبة اللقاء، قلت له بالمختصر المفيد: داير أتدرب في الإعداد والتقديم.
رد بطريقته المهذبة وصوته الهادئ:- (أكتب طلبًا وأحضره بكرة)..
عدت إلى البيت وكتبت الطلب بمساعدة جارنا في حي المزاد، خالد حسن الطالب وقتذاك بجامعة أم درمان الإسلامية – قسم اللغة العربية، الذي ختم الطلب بعبارة رائعة: أثق في قدراتي ثقة لا تشوبها ردة.
جئت في اليوم التالي إلى المهندس صلاح طه مدير الإذاعة، حاملاً الطلب، قرأ الطلب وعلّق عليه في الورقة قائلاً: يبدو من طلبه أن لديه شيء، ثم حوّل الطلب إلى كبير المذيعين لإجراء اختبار صوت.
طلب مني كبير المذيعين أن أقرأ خبرًا، فأثنى عليّ وأشاد بطريقة قراءتي، لكنني لم أدرك إن كان ذلك تشجيعًا وتحفيزًا أم أنني استحق الإشادة فعلًا؟، بعدها طلب مني أن أعرب بعض الجمل، فقلت له: ما بعرف الإعراب، وتذكرت قول الشاعر التجاني يوسف بشير :
وَلَقيت مِن عنت الزيود مَشاكِلاً
وَبَكيت مِن عمرو وَمِن أَعرابه
استغرب وقال:طيب، إنت بتقرأ بطريقة صحيحة،وما بتعرف تعرب؟ كيف دي؟” فأجبته: امكن عشان درست القرآن في الخلوة.
أحالني لإجراء اختبار للمعلومات مع أحد المذيعين، الذي سألني: ليه جاي الإذاعة؟” فأجبته: داير أتدرب على الإعداد والتقديم”. بدأ يسألني: “يعني شنو إعداد؟ ماالبرامج التي تفضل أن تعدها؟..فقلت له بصراحة: “ما عندي فكرة واضحة، لكن أتمنى أكون معدًا ومقدمًا للبرامج”.
لم أشعر بالراحة لطريقة أسئلته ولم أفهم المطلوب مني، فقد استغرق معظم الوقت في الحديث عن نفسه وذكرياته في إذاعة أمدرمان والمصاعب التي تواجه المتدربين والمواقف الطريفة التي عاشها مع كبار الإذاعيين.
بصراحة، لم أستلطفه وتمنيت انتهاء المعاينة سريعًا، أخيرًا أفصح عن رأيه وقال: تعرف؟ لو تدربت مائة سنة، لن تصبح إعلاميا؟!!!
شعرت لحظتها وكأن الأرض تمور من تحتي، خرجت من مكتبه أهيم في طرقات المدينة بلا هدى ولا كتاب منير، ثم عدت إلى البيت محبطًا أيما إحباط، بدأت أسأل نفسي:هل فعلًا لا يمكن أن أصبح معدًا أو إعلاميًا؟وبدأت أقارن بين كلامه وبين رأي المدير صلاح طه، حاولت إقناع نفسي أن ما قاله المذيع مجرد وجهة نظر لا تعنيني، واستعصمت برأي صلاح طه حين قال: يبدو من طلبه أن لديه شيء”.
وبعد ثلاثة عقود، وفي العام 2012، جاءنا رجل أنيق يرتدي زيًا إفرنجيًا كاملًا، وكان يبحث عن شخص (معد برامج يعمل في التلفزيون) رحبتُ به وسألته عن غرضه، فقال إنه يبحث عن المعد فلان الفلاني. (ذكر الأسم) بتوجيه من مدير البرامج، عرّفني بنفسه وقال إنه كان مديرًا لإذاعة ولائية وعمل باذاعة ودمدني ومراسلًا لقناة سودانية معروفة من خارج السودان، وفجأة عادت بي الذاكرة إلى مدينة ود مدني عندما كنت طالبًا في مدرستها الثانوية وذهبت إلى إذاعتها لأصبح متدربًا فتذكرت كلام ذلك المذيع الذي قال لي حينها: لو تدربت مائة سنة، ما حتكون إعلامي.
كان ذلك الرجل هو بشحمه ولحمه، جاء يبحث عن ذات الشاب الذي لن يصبح إعلاميا ولو بعد مائة عاما لانتاج برامج مع بعضهما البعض..
والله لا أدري لحظتها ما الشعور الذي انتابني، حاولت أن أنتصر لنفسي وأذكّره بما قاله لي، لكن نفسي أبت ذلك، وقلت بيني وبين نفسي (العبرة بالنتائج)اعتذرت له بلطف لكن ما زال في النفس شيء من حتى.