آخر الأخبار

قراءة في رواية “وثالثهما الفنجان”  لمحمود شامي الچيبوتي

 

بقلم : الباحث والناقد: بهاء الصالحي / مصر

————————————————–

الملامح العامة للرواية ، حيث السياق التاريخي للرواية ٢٠١٨ حيث اتفاقية السلام مابين إريتريا واثيوبيا ، حيث التناص من خلال ذكر اسماء حكام مثل أبي احمد ومقارنته بأوباما ،وكذلك فكرة التبادل المكاني والتبادل الاثني من خلال تعبيره عن البيئة كمركب ثقافي خلال ثلاثة امكنة ( جيبوتي – طيعو – ملبورن) وادراج صفة الوطن علي الأماكن الثلاثة من صفحة ١٣ يتضح ان : الفتاة امها إثيوبية وابيها ارتيري وافترقا منذ ١٩٩٨حتي ٢٠١٨ .

دلالة ايراد الشعر كأضافة اسلوبية في ص ١٥، ٧، ٨ ، العبارات حاكمة حيث يأتي تبريرها حيث مفهوم مناجاة الوطن كصدي للذات ص١٤ : وأه أنت ياوطن ،وكيف واين عساك تكون الليلة ؟ وأين اوصلك خاطفوك ؟

ارتفاع ملكة الوصف كجزء تسجيلي نابع من درجة الصدق حيث الاغتراب كنمط حياة ،وكذلك حرص الكاتب علي تقديم جزء تعريفي ببلاده، ف المعرفة وظيفة رئيسية من وظائف الرواية المعاصرة ، و نعكس روعة الوصف الجزء التخييلي حتي يتم اكتساب الأمر كتعببر عن أزمة الراحلين عبر الغربة حاملين داخلهم اوطانهم ومن هنا يكون من الطبيعي تعدد اوصاف الامكنة ، حيث يسرد الروائي نبذة عن تاريخ اهم مدن جيبوتي ( رندا – دخل – علي صبيح – حايو …..)

التناص ص ٢٦مع قصة الفنان الارتيري الأمين عبداللطيف، ف المحبوب عشقه لفاطمة الزهراء بينما هي تستمع هي له بشغف خلال حفلة عرس، كان يغني به ، ذلك التناص جاء لخلق دلالة الفتاة / الوطن حيث كانت عائشة واستير.

التداخل بين الخيال والواقع من خلال تقطيع المشاهد مع تناوب الامكنة في مشهد واحد وذلك يؤكد علي ان الرواية جردة حساب للذاكرة القلقة كما جاء في المشهد الافتتاحي للرواية .

روايات الاغتراب يكون المكان هو احد ابطالها حيث يسرد القاص بداية ألفه وطبيعة المكان في استراليا وطنه الخلفي من ص ٢٨ حتي ص ٣٢ ، ولكن ماقيمة ذلك التركيز علي الأماكن، الا ان القاص أراد إبراز فكرة الاغتراب وتسليمه بفكرة القدرية ،وكأن الغياب للذات محكوم بصيرورة الحياة اليومية.

وعلي مستوي القصدية في بناء الرواية، جاء الربط بين الإطار المكاني والزمني والنفسي لخلق حالة أو صورة ذهنية تنعكس علي الرواية بأكملها، هنا تصبح الذات المغتربة وطنا متنقلا ، حيث الارتباط الشرطي بين الوطن المحمول وحفلات الجالية في الغربة كنوع من التعويض النفسي عن الغياب القسري عن الوطن .

آلية السرد المتداعي وترابطه ، حيث ذكرياته في مدينة طيعو ،وذلك التناسق والإطالة ،كنوع من الجماليات الذي يضع المتلقي أمام النقيض الفعلي للواقع الذي يهرب منه السارد الأصلي:

ويتوق صديقي الي كل الأشياء الجميلة في مدينتنا والي أبواب منازلها التي كانت مفتوحة لهم علي الدوام في زمن جدته ، قبل أن تغلق اليوم كل الأبواب وقلوب الجميع معها في وجوه الناس .

درجات الاغتراب عن الوطن من خلال فقد الانتماء والاختزال للأخر بدرجاته حيث يصبح الاخ مختزلا في كلمة الشعبية؛ المقاهي كعلامات محورية في المدن حيث تستوعب تجمعات وهموم الشباب القلق ( مقهي سنايت بأريتريا – ارحبا بجيب بجيبوتي…..) وارتباط المقهى بالمرأة كوطن بديل وكذلك رصيد القصص المتواترة الذي يمثل من خلال تقطيع مشاهد الفصل الثالث مابين مقهي أرحبا وسنايت ،والسردية هنا طرح تسجيلي لواقع الحياة اليومية بما يحمله من تناقض ولكل فصل عقدته الخاصة من خلال التدخل السردي المباشر :

ربما كان ذلك الفنجان فنجان وطن وأمة ، ربما كان ذلك الشاب وطن ،وطن رحل عنه كل أبنائه وتركوه ينزف دما ، وجعا ، ألما ، فقرر الالتحاق بأبناءه ، وادركه الموت في الطريق ،ورحل لا اراديا لعالم الخلود .

التداخل مابين الوطن كأسير عند الشعبية وخوف سنايت من مصير الشاب رمز أمتها ، وكأن الخوف طائر محلق فوق رؤؤس الجميع ، وهنا فكرة الوطن الذي يحيا داخلنا فنموت حبا فيه وبذلك يتحقق الخلود له بنا .

ومن ذكاء القاص انه يقدم زادا سرديا مطعم بحكمة في تلافيف السرد ،ففي ص ٦٢ يقدم دلالة العنوان حيث امرأة تقرأ فنجان الشاب الذي يمثل ضمنيا الوطن المهاجر ، ولا يخفي علي الباحث في تاريخ أفريقيا ان دور المرأة كمورث لسلاسل الملك حيث المجتمع الامومي مرتبط بتاريخ أفريقيا الحقيقي ،ولعل البعد الاسطوري وما استقر في العقل الجمعي لارتباط فكرة الفنجان بالرؤية المستقبلية علي مستوي الإدراك الشعبي المتوارث .

الفصل الثالث يتميز ببناء هندسي خاص من خلال المقابلة مابين مريم وسنايت وكلاهما رمزا للفعل .

تقنية جبل الرمل الذي يخفي تحته مزيدا من التفاصيل وهنا تقنية التداعي وفق سياقات محددة ، في الفصل الخامس فكرة السياق العائلي لمحمود بطل الرواية ،حيث يسرد تفصيلا نماذج من النساء ، عائشة وبنت عمته فاطمة ، وهو خلال ذلك يثبت ادانته لنمط التجنيد في بلاده وطرق الالحاق بالخدمة العسكرية كوسيلة للإذلال.

تبقى الأشخاص من خلال بنائية الرواية انهم صدي لروح السارد ،لكننا هنا بصدد فكرة السلام الداخلي التي يمارسها مع العالم من خلال تعدد الأصول العرقية لأبطال الرواية من النساء ،فتأتي استير من أب إثيوبي وأم ارتيرية وسنايت ذات الاصل السوداني والتي تتوافق مع واقع اريتريا وكأن الطبيعة لابد أن تفرض سلامها ، هنا فكرة الهجرة الطبيعية وأن الحروب جزء طارئ علي ثقافة القرن الافريقي ،من حيث انصهار كل الجنسيات عند سنايت كمعيار موضوعي لفكرة الوطن البديل .

المبرر الفني لكثرة التفاصيل الواردة عبر الرواية هو توصيف الرواية علي انها رواية حقيقة يغلب عليها التسجيلي والتأريخي لبلاده ،بحكم الاغتراب حيث يتلذذ الغائب بذكر الماضي حيث تصبح الذاكرة نوعا من الوطن البديل وذلك بحكم قسوة الشعبية وهي الجهة الحاكمة لأريتريا .

هل هي رواية سيرة ام ترجمة لحياة ملتبسة بذكر الواقع المحيط لقرن أفريقيا ولكن من خلال نقاط التماس الخاصة به ،حيث يستعرض سيرة أشخاص لها بعد حقيقي ومن هنا تصبح الرواية نوعا من التأريخ الاجتماعي والسياسي لأريتريا من وجهة نظر الروائي ،هنا يقدم السارد الغير مباشر رسالة معرفية معينة تجاه واقعه ،خاصة مع مساحة التعتيم السائد حول تاريخ أفريقيا من خلال رؤية ابناءها الحقيقيين .

ماذا أراد الروائي تقديمه ؟

١- تبيان وحدة الألم الإنساني والتي تحققت من خلال التوافق الاثني مابين نماذج القرن الافريقي المقدمة عبر الرواية .

٢- الرواية نوعا من الأدب السياسي والذي يقدم رؤية انسانية للجدل العبثي عبر الحروب .

٣- الرواية ملحمة لباحث عن حريته حاملا لوطنه علي كاهله

نحن بصدد وثيقة تاريخية تستعين بأدوات الجنس الادبي مع لغة وصفية راقية مع قدرة علي ادماج الزاد المعرفي المتوافر في بناء قصصي متميز .