آخر الأخبار

التوازن السياسي في السودان … نحو مستقبل ديمقراطي مُستقر

د.عبدالله محي الدين الجنايني

إن تشكيل حكومة في مناطق محتلة داخل دولة عضو في الأمم المتحدة هو مسألة معقدة للغاية، وتحديد شرعيته يعتمد بشكل كبيرعلى السياق القانوني والسياسي المحدد، ولا يوجد إجابة بسيطة ومباشرة
ولكي يتم تشكيل حكومة مثل هذه يجب النظر في عدة عوامل:
*ماهو الأساس القانوني للاحتلال؟ وهل الاحتلال نفسه شرعي بموجب القانون الدولي؟ .
* يجب أن يستوفي الاحتلال شروطاً محددة بموجب القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك أن يكون نتيجة لعمل عسكري مشروع (مثل الدفاع عن النفس أو حماية السكان المدنيين من جرائم حرب)، وأن يكون مؤقتاً.
*أن يكون الهدف الأساسي من الإحتلال هو إستعادة النظام والأمن( وليس تهجير السكان وتهديد الأمن والسلام في مناطق الإحتلال) ، وليس ضم الأراضي, ووفق ذلك يكون الإحتلال غير شرعي يعني أن أي حكومة تُشكل فيه تكون غير شرعية أيضاً( مابني على باطل فهو باطل).
: طبيعة الحكومة المُشكلة
هل تم تشكيل الحكومة من خلال عملية ديمقراطية ومُشاركة للسكان المحليين؟ أو تم فرضها من قبل قوة الاحتلال؟ إذا تم فرضها من قبل قوة الاحتلال، فإنها ستكون غير شرعية.
قرارات مجلس الأمن الدولي:
تلعب قرارات مجلس الأمن الدولي دوراً حاسماً فهل خول مجلس الأمن الدولي قوة الإحتلال بتشكيل حكومة مؤقتة لإدارة المنطقة المحتلة، أو حدد شروطاً معينة لذلك.

ماذا تقول المواثيق الدولية لحقوق الإنسان؟
يجب أن تحترم أي حكومة، مهما كان مصدر شرعيتها، حقوق الإنسان الأساسية للسكان المحليين، كما تنص عليها المواثيق الدولية فكيف إذا كانت بعثات الأمم المتحدة هي التي وثقت لإنتهاكات حقوق الإنسان في مناطق الإحتلال..أما ذلك سينفي شرعية هذه الحكومة بشدة.
إرادة الشعب:
في النهاية، الشرعية الأخلاقية والسياسية لأي حكومة تعتمد على مدى تمثيلها لإرادة الشعب الذي تحكمه. في حالة الاحتلال، قد يكون من الصعب جداً تحديد هذه الإرادة بوضوح, بإختصار، لا يمكن أن يكون تشكيل حكومة في مناطق محتلة “قانونيّاً” بشكل مطلق. يجب تحليل كل حالة على حدة، مع الأخذ بعين الاعتبار جميع العوامل المذكورة أعلاه. حتى في الحالات التي يُمكن أن يُجادل فيها بأنّ الحكومة تشكّلت بطريقة تُرضي بعض الشروط القانونية، فإنّ شرعيتها ستبقى مُتنازعاً عليها وستُواجه الكثير من التحديات والانتقادات من قبل المجتمع الدولي.
ولهذا فإن مشروع الحوار الوطني المقدم من الحكومة المعترف بها دولياً هو الطريق الأوحد ..لحل الأزمة السودانية ..ولابد للقادة السياسيين النظر بعين المواطن المحب لوطنه والعامل من أجل مصلحته وتحقيق المصالح العليا ووحدة التراب .. ولا ينظر إلى تكسبه لكراسي الحكم .. فإن السودان يحتاج لرجال حكماء .. يعرفون كيف يحافظون على مجد دولة ضاربة في عمق التاريخ ..ويؤمنون شعباً لم يسبق له أن تشرد مثل هذا التشرد إلا في هذه الحرب القاسية .. الخاطئة ..التي لم تحترم كرامة الإنسان السوداني.
إن الذي شهدته جمهورية السودان، في الآونة الأخيرة، تحولات عميقة، إنعكست على الساحة السياسية بوضوح، وخلقت حالة من عدم الاستقرار، تتطلب منا، كسودانيين، وضع رؤى مُستقبلية مُحددة وواقعية، مُستندةً على أسس علمية في العلوم السياسية وعلم المستقبلية (الفيوتشرلوجي)، من أجل بناء دولة ديمقراطية مستقرة وموحدة.
تحديات لإعادة التوازن السياسي:
فالحرب التي اندلعت في أبريل من العام الماضي، أحدثت إضطرابات واسعة في النظام السياسي السوداني، وأدت إلى إضعاف المؤسسات السياسية في الدولة، وفقدان الثقة بين مختلف فئات الشعب وتلك المؤسسات.
لذلك فإن إعادة التوازن السياسي تتطلب عملية مُعقدة، تحتاج حواراً وطنياً شاملاً، ونهجاً مُتكاملًا في التعامل مع القضايا المُتعددة، التي تمس الدولة السودانية.
الأمر الذي تتبعه ضرورة إعادة هيكلة المشهد الحزبي .. إذ يُلاحظ تباين واسع في المشهد السياسي، ووجود العديد من الأحزاب الصغيرة التي غالباً ما تعاني من ضعف تمثيلها الشعبي، وهذا يجعل من الصعب على أي منها أن تكتسب القوة اللازمة لتشكيل حكومة مُستقرة.
وإذا ندرنا إلى فكرة تقليص الأحزاب السياسية في جمهورية السودان إلى أربع أجزاب فقط.. بحيث تكون حزب لليمين التقليدي، وحزب لليمين المعتدل المتطور (ينادي بالسوداناوية)، وحزب للوسط، وحزب لليسار، مما يستبين للرائي أنه حلّ مُرشح لزيادة التمثيل، وزيادة الاستقرار. كما يجب أن تَبلغ عضوية كل حزب مليوني عضو على أقل تقدير، حتى تتمكن من حشد التأثير السياسي الكافي، بحيث تُمثل تلك الأحزاب على الأقل ثمانية ملايين ناخب، تمثل أغلبية الناخبين في أي إنتخابات، لتشكيل حكومة مُستقرة.
استقلال الجيش السوداني :
إذ لا يمكن الحديث عن مُستقبل مُستقر للدولة السودانية من دون ضمان إستقلال مؤسسة الجيش السوداني،وتحديد واضح لأهداف قيامها في الدستور.
حيث يجب أن يتم تعريف دور الجيش بنصوص تمتاز بالوضوح والدقة في العبارات والكلمات ومدلولها القانوني، بحيث لا يُستغل لأهداف سياسية تُهدد وحدة البلاد، بل يصبح ضامناً لحماية المواطنين، ودفاعاً عن حدود الدولة.
ويجب على الجيش، بحكم دوره، عدم التدخل في الشؤون السياسية الداخلية، والامتثال للدستور، والالتزام بالقانون. يُعد هذا مُهمّاً للغاية للتقليل من توترات المجتمعات المُختلفة
: نظام الشرطة والمؤسسات العدلية
يجب أن يكون نظام الشرطة في السودان محترفاً، ومُلتزماً بالدستور والقانون. يجب على المؤسسات العدلية أن تعمل بشكل مُستقل وبعيداً عن أي ضغوط سياسية؛ بل ينبغي أن يكون هناك نظام واضح لإنفاذ القانون، تُطبق فيه القوانين على الجميع بالتساوي، مع إحترام حقوق الإنسان والحريات الفردية
ومن وجهة نظرنا فإن النظام السياسي المناسب يجب أن يحدده الدستور بحيث يكون ذلك هو النظام السياسي الأنسب للسودان، مُعززاً بمبادئ الديمقراطية والشفافية وتجربة حكم الدولة في الماضي
ولا بد من ضمان إحترام وحدة الدولة السودانية، مع إلتزام مُطلَق بالدستور، وإعتبار أي خروج عنه تمرداً تستطيع مؤسسة الجيش قمعه بحسم وبالقوة وبشكل قانوني يحدده الدستور للحفاظ على وحدة جمهورية السودان، وهذا ضروري جداً للحفاظ على سلامة الوطن.
لا شكّ أن هذه الخطوات تُعَدّ ضرورية لتطوير آليات مُستدامة لحلّ الصراعات المُحتملة، وتوفير التعاون بين مختلف أطياف الشعب السوداني.
إننا نستطيع أن نقول في ختام مقالنا أن ما نطرحه يُمثل مشروع إعادة بناء النظام السياسي السوداني، وهو خطوة مُهمّة نحو مُستقبل مُستقر وديمقراطي. وتتطلب هذه المهمة، جهداً جماعياً من جميع فئات الشعب السوداني، بتوجيه من القادة السياسيين والخبراء.. من خلال عملية حوار وطني مُستدام، ونظم مُؤسسات فعّالة، وسياسات مُحددة، يمكن للسودان أن يعيد بناء نفسه، مُتحولاً من أزمة إلى ازدهار والسودان خضم من العقول النيّرة والأرواح الوطنية ذات الإرادة القوية وهو ما أكدته هذه الحرب.