آخر الأخبار

جيبوتي وجدة: تاريخ عريق وروابط متجذرة عبر البحر الأحمر

 

بقلم : أحمد الشامي / جيبوتي

منذ أقدم العصور، كان البحر الأحمر جسرًا للحضارات وملتقى للشعوب، وربط بين ضفتيه علاقات متينة أثرت في التجارة والثقافة والتقاليد الاجتماعية. وضمن هذا الإطار التاريخي، كانت العلاقات بين جيبوتي والمملكة العربية السعودية، ممثلة في ميناء جدة، نموذجًا بارزًا للتعاون والتبادل المستمر الذي تجاوز مجرد المصالح الاقتصادية ليصل إلى الروابط الثقافية والاجتماعية التي ما زالت حية حتى اليوم.

 

لأكثر من ستين عامًا، لعبت موانئ جيبوتي دورًا محوريًا في تصدير المواشي والبضائع إلى ميناء جدة، عروس البحر الأحمر. كانت المواشي الجيبوتية تُنقل بانتظام إلى جدة لتلبية احتياجات السوق السعودي، ما جعل هذه التجارة شريانًا اقتصاديًا يربط بين الشعبين. لم تكن هذه التجارة مجرد حركة اقتصادية، بل كانت تعبيرًا عن الثقة المتبادلة والروابط العميقة التي جمعت البلدين.

 

جدة، كمدينة ساحلية، احتضنت هذه التجارة بفضل موقعها الاستراتيجي وقربها من الحرمين الشريفين، مما عزز أهميتها كمركز اقتصادي وديني على حد سواء.

 

لم يكن البحر الأحمر مجرد طريق تجاري، بل كان أيضًا ممرًا للحجاج الجيبوتيين الذين كانوا يعبرونه للوصول إلى مكة المكرمة. في زمن كانت فيه الرحلات الجوية رفاهية بعيدة المنال، اعتمد الحجاج الجيبوتيون على البواخر التي كانت تستغرق حوالي ستة أيام للعبور من ميناء جيبوتي إلى جدة، مرورًا بميناء زيلع.

 

كان كل حاج يحمل أضحيته معه، وهي تقليد متجذر يعبر عن الاستعداد الكامل لأداء المناسك. وما جعل هذه الرحلات محببة وممكنة هو تكلفتها المنخفضة، التي لم تتجاوز في كثير من الأحيان 200 دولار، مما جعلها في متناول الجميع. كانت هذه التجربة رحلة إيمانية واجتماعية تحمل في طياتها مشقة الطريق وسعادة الوصول.

 

في أوائل الثمانينات، وبعد استقلال جيبوتي، شهدت العلاقات بين البلدين طفرة جديدة. أحد السعوديين الذي زار جيبوتي في تلك الفترة بهدف افتتاح معهد إسلامي، روى تفاصيل رحلته التي تصادفت مع موسم الحج. في طريق عودته إلى جدة على متن الطائرة، فوجئ بأن الصفوف الخلفية مخصصة للمواشي، بينما جلس الركاب في المقدمة. ورغم الضجيج، كانت هذه الرحلة تجربة لا تُنسى تبرز الأهمية التي كانت توليها جيبوتي للتجارة والحج عبر البحر الأحمر.

 

لطالما شكلت جدة وجهة للشباب الجيبوتيين الطامحين لتحسين أوضاعهم الاقتصادية. اعتاد كثير منهم السفر إلى جدة للعمل في التجارة أو الأعمال الموسمية، حيث كانوا يمكثون عامًا أو عامين يجمعون المال اللازم للزواج أو لدعم أسرهم. كانت هذه الهجرة المؤقتة دليلًا على الترابط الوثيق بين المدينتين، وعلى قدرة جدة على احتضان الطامحين وتوفير الفرص لهم.

 

لم تقتصر العلاقات بين جيبوتي وجدة على التجارة والعمل، بل امتدت إلى الثقافة والموروث الشعبي. تُظهر الرقصات والألحان البحرية التي تؤديها الفرق التقليدية في جدة تشابهًا كبيرًا مع نظيراتها في شمال جيبوتي. هذا التشابه الثقافي يعكس التأثير المتبادل بين شعوب البحر الأحمر، ويؤكد أن هذه الروابط الثقافية أعمق من أن تكون مجرد صدفة.

 

في جدة، تُعرف فرق “البحري” بعروضها المستوحاة من البحر، وهي نفسها التي يمكن رؤيتها في جيبوتي، مما يدل على تاريخ مشترك من التبادل الثقافي والفني.

 

في العصر الحديث، لا تزال العلاقات بين جيبوتي والمملكة العربية السعودية تتوسع وتتعمق. ميناء جيبوتي، بموقعه الاستراتيجي عند مدخل البحر الأحمر، أصبح جزءًا مهمًا من الحركة التجارية الإقليمية، مما يعزز دوره كشريك اقتصادي رئيسي للمملكة. من جهة أخرى، تحافظ جدة على مكانتها كمحور اقتصادي وثقافي، مما يجعلها مركزًا لاستمرار هذا التعاون المثمر.

 

إن العلاقة بين جيبوتي وجدة ليست مجرد تواصل بين مدينتين، بل هي نموذج لعلاقة تكاملية بين دولتين تشتركان في التاريخ والثقافة والدين. البحر الأحمر كان ولا يزال شاهدًا على هذا التلاحم الذي جمع بين شعوب مختلفة في اللغة والتقاليد، لكنه وحدها في الرؤية والطموح.

تظل هذه الروابط الثقافية والاقتصادية رمزًا لوحدة البحر الأحمر، حيث يلتقي الماضي بالحاضر لصنع مستقبل مشرق يعكس روح الأخوة بين جيبوتي والمملكة العربية السعودية.

 

مستشار وزيرة الثقافة في جيبوتي