المتعاونون مع الدعم السريع.. بين حبل المشنقة وصك البراءة (1)
- تفاصيل أشهر محاكمة شهدتها محكمة الإرهاب ببورتسودان
- القبض على تاجر إطارات بتفتيش (جبيت) بتهمة التعاون مع الدعم السريع
- المحكمة: الحرب تندرج في حالات (العلم القضائي) ولا تحتاج لشهادة شهود
- لماذا أعتبر المشرع جريمة إثارة الحرب ضد الدولة من الجرائم المطلقة؟
بورتسودان ــ القاهرة- التاج عثمان:
التعاون مع مليشيا الدعم السريع أصبح من أكثر القضايا المثيرة للجدل قانونيا وأصبحت تطفو للسطح وتشغل الرأي العام كلما قامت القوات المسلحة بتحرير مدينة او منطقة من دنس المليشيا.. لا ننكر ان هناك بعض الخونة الذين عملوا كجواسيس او مرشدين للدعم السريع ببعض المدن التي إحتلوها.. بينما يرى آخرون ان هناك بلاغات كيدية لوقائع ملفقة تتهم بعض الشباب والأشخاص بموالاتهم للدعم السريع.. والسؤال الذي نحاول الإجابة له عبر هذا التحقيق: ما هو تعريف القانون لجريمة التعاون مع الدعم السريع؟.. وما هي طبيعة الأفعال التي قد يقوم بها شخص ما حتى يتم إتهامه بالعمل مع المليشيا المتمردة؟.. وهل وجود رقم هاتف لأحد أفراد الدعم السريع بموبايل أحد الأشخاص كفيل بالتفاف حبل المشنقة بعنقه؟.. (أصداء سودانية) تتناول على حلقات هذه القضية الشائكة والتي أثارت الرأي العام السوداني ولا تزال عبر هذا التحقيق.
أصل الحكاية:
بداية هذه القضية تعود لليوم الذي إحتلت فيه مليشيا الدعم السريع مدينة مدني، حيث خرج تاجر إطارات السيارات (ع.ف) مع الخارجين من المدينة بعد ان دنستها المليشيا المتمردة وتوجه لمعارفه بقرية كعبره القريبة من عاصمة الجزيرة مدني تاركا بضاعته من الإطارات في المخزن.. ثم عاد مرة اخرى بعد يومين واخرج ما تبقى من بضاعته وتوجه ناحية مدينة بورتسودان عبر القضارف.
وعندما وصل لتفتيش جبيت تم توقيفه وتفتيشه بواسطة القوات الأمنية فعثر بهاتفه على رقم مسجل بإسم (كيكل) قائد مليشيا الدعم السريع المتمردة بولاية الجزيرة، قبل ان ينسلخ منها وينضم للقوات المسلحة السودانية.. وتم القبض على التاجر (ع) وتسليمه للخلية الأمنية ببورتسودان للإشتباه فيه بأنه متعاون مع الدعم السريع.. كما تم العثور على 3 صور في الموبايل الخاص به، تظهر في صورتين منها مركبات للمليشيا، والثالثة صورة جماعية لمجموعة من أفراد المليشيا المتمردة.. أحالت الخلية الأمنية المتهم للجنة الوطنية للتحقيق والتحري في جرائم وإنتهاكات الدعم السريع، والتي قامت بفتح الدعوى الجنائية.. وبعد إكتمال التحريات وجهت النيابة للمتهم إتهاما تحت المواد: (51/50/26) من القانون الجنائي لسنة 1991، وأحالت بدورها الدعوى لمحكمة الإرهاب والجرائم الموجهه ضد الدولة ببورتسودان للفصل فيها
محكمة الإرهاب:
إنعقدت محكمة الإرهاب والجرائم الموجهه ضد الدولة ببورتسودان، وبعد سماعها قضية الإتهام واستجواب المتهم خاطبته المحكمة بتهمة تأييد مليشيا الدعم السريع تحت طائلة المادة: (51/أ) من القانون الجنائي إثارة الحرب ضد الدولة..فرد المتهم على التهمة بالإنكار المطلق.. ثم إستمعت المحكمة لقضية الدفاع ومن ثم اودع ممثلي الدفاع مرافعة الدفاع الختامية..ولمناقشة أركان وعناصر الجريمة محل الإتهام أوردت المحكمة نص المادة (51) من القانون الجنائي لسنة 1991، تعديل 2020م، المادة (51)، إثارة الحرب ضد الدولة:
ــ يعد مرتكبا جريمة إثارة الحرب ضد الدولة ويعاقب بالإعدام او السجن المؤبد او السجن لمدة أقل، مع جواز مصادرة جميع أمواله
ــ من يثير الحرب ضد الدولة عسكريا بجمع الأفراد او تدريبهم، او جمع السلاح او العتاد، او يشرع في ذلك، او يحرض الجاني على ذلك، او يؤيده بأي وجه
ــ ويتضح ويستشف من النص ان تأييد من يثير الحرب ضد الدولة او يحرضه يعد مرتكبا جريمة إثارة الحرب ضد الدولة ويجعل مرتكب فعل التأييد مخالفة لنص المادة (51) من القانون الجنائي.. وليس بالضرورة ان يكون الجاني قد قام بجمع الافراد او تدريبهم، او جمع السلاح والعتاد
ــ أيضا ثبوت الجريمة لا يتطلب ثبوت الركنين، المادي والمعنوي.. فبمجرد ثبوت الركن المادي وإسناده للجاني يكفي ثبوت الجريمة، فالمشرع لم يشترط ثبوت الركن المعنوي: (القصد الجنائي الخاص)، كسائر الجرائم.. وبذلك اعتبر المشرع جريمة إثارة الحرب ضد الدولة من الجرائم المطلقة، وهي من الجرائم الموجهه ضد الدولة
مسئولية المتهم جنائيا:
ولتحديد مسئولية المتهم جنائيا تطرح المحكمة السؤال التالي وتجيب عليه من خلال البينات المطروحة في قضية الإتهام مع الوضع في الإعتبار انه على الإتهام إثبات كافة عناصر الجريمة فوق مرحلة الشك المعقول:
ــ هل قامت مليشيا الدعم السريع بإثارة الحرب ضد الدولة وتمردت على القوات المسلحة.. وللإجابة على السؤال المطروح تجد المحكمة نفسها في وضع يمكنها من التوصل على وجود وقائع معينة دون حاجة لتقديم شهادة شهود.. حيث ان قوات الدعم السريع والحرب التي شنتها منذ 15/3/2023م تندرج في حالات العلم القضائي، وفقا لنص المادة (14) من قانون الإثبات لسنة 1994م، وبالتالي فإن قوات الدعم السريع وبتاريخ 15/4/2023م شنت حربا ضد القوات المسلحة وذلك بمهاجمة القيادة العامة للقوات المسلحة في محاولة لإغتيال او إعتقال القائد العام، ومهاجمة مطار مروي، والقصر الجمهوري، ومطار الخرطوم، وكل المرافق العسكرية والوحدات والأسلحة، والإستيلاء على المرافق الحكومية، ونشر الإرتكازات في جميع أنحاء العاصمة القومية والإحاطة بها كإحاطة السوار بالمعصم.. وشاهد العالم توجه قائد المليشيا نحو القصر الجمهوري للإستيلاء على السلطة في السودان عن طريق القوة بتقويض النظام الدستوري.. وحينما فشل مخططه بالإستيلاء على السلطة، وإستطاعت القوات المسلحة كبح جماح هذه القوات أشعلت المليشيا الحرب في انحاء البلاد ضد الشعب والقوات المسلحة في كل من الخرطوم ودارفور وكردفان والجزيرة وسنار، إرتكبت فيها أبشع الجرائم والإنتهاكات ضد المواطنين من نهب وإغتصاب، وقتل على الهوية، وتهجير المواطنين من القرى والمدن، وجرائم حرب، وإبادة جماعية، وجرائم ضد الإنسانية
ونظرا لتمرد قوات الدعم السريع وما صاحب ذلك من إنتهاكات وممارسات وتخريب متعمد للبنية التحتية للبلاد، والإنتهاكات التي طالت الدولة والمواطنين ومخالفتها لإهداف ومهام ومبادئ إنشائها، ولقسم الولاء في قانون قوات الدعم السريع لسنة 2017م، أصدر رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة المرسوم الدستوري رقم: (2023/7م) بحل قوات الدعم السريع المنشأة بموجب قانون قوات الدعم السريع لسنة 2017م.. وبذلك تجيب المحكمة على السؤال المطروح بالإيجاب، بان قوات الدعم السريع أصبحت مليشيا متمردة وشنت حربها ضد الدولة عسكريا
الحلقة القادمة:
ــ هل كان تاجر الإطارات المتهم (ع.ف) متعاون ومؤيد للمليشيا المتمردة؟
ــ ما محتوى مستند الإتهام رقم (1)؟
ــ لماذا كان المتهم يحتفظ برقم (كيكل) في الموبايل الخاص به؟