
إعدام الخليفي .. واللحظات الأخيرة
بعد و مسافة
مصطفى ابوالعزائم
*مثلما كتبنا بالأمس فإننا سنفرد هذه المساحة اليوم لما سبق أن أشار إليه الكاتب الأستاذ عبدالعزيز حسين الربيع في صفحته على الفيس بوك قبل أيام قليلة ، مستدعيا ما كتبه صاحبكم قبل سنوات عن حادثة مسجد الحارة الأولى بالثورة ، والتي كنت احد شهودها في العام 1994 م، وقد أرفق الأستاذ الربيع ما كتبناه عن تلك الحادثة، بتعقيب على مقالنا ذاك حول ذات الموضوع كتبه صاحب القلم السيال والعبارات الرشيقة العميقة الأستاذ محجوب فضل بدري، وقد كانت هي الرسالة الأخطر من الأخ الكريم والصديق العزيز الأستاذ محجوب فضل بدري، وقد بعث بها إلينا ليدلي بشهادته في إعدام محمد عبدالرحمن الخليفي منفذ الهجوم الغادر على مسجد الحارة الأولى بمدينة الثورة والذي راح ضحيته(27) شهيدا من المصلين عقب صلاة جمعة الرابع من فبراير عام 1994 م، ولكن لابد من الإشارة إلى أن شهادة خطيرة وصلت إلي من المحقق الرئيسي في تلك القضية، عن طريق أخ وصديق عمل بالقضاء فترة ثم هاجر إلى أستراليا بعد أن أطاح به من منصبه سيف الصالح العام، وشهادة أخرى وصلت إلي وانشرها لاحقا من الأخ الكريم اللواء الركن دكتور أمين إسماعيل مجذوب الذي كان شاهدا على محاولة الجناة تصفية الشهود عندما أطلقوا النار على صديقنا المشترك مولانا عبدالفتاح الذي حاول صديقنا أمين إنقاذه لكن كانت إرادة الله غالبة، فأسلم الروح.
*ووفاءً بما تعهدنا به نترك المساحة لرسالة الأستاذ محجوب فضل بدري دون اي تدخل من جانبنا وقد جاءت كما يلي:
*كنتُ قد شاهدت تنفيذ حكم الإعدام شنقاً على الخليفي ، على المشنقة التى أقيمت لتنفيذ أحكام محاكم العدالة الناجزة إبّان إعلان قوانين الشريعة أيام المغفور له النميرى فى حوش الطوارئ بالجهة الشمالية لسجن كوبر،وأشهر من عُلِقَ على هذه المشنقة كان هو المرتد محمود محمد طه فى يناير 1985م
*وعندما أتى الحُراس بالمحكوم عليه الخليفى من زنزانة الإنتظار بالبحريات بعد منتصف النهار وهو يرسف فى الأغلال وكان صائماً وقد قضى الليلة قائماً ، وكان ثابت الخطوِ بشكل مدهش رافعاً رأسه وقد إعتلى درج المشنقة برشاقة ظاهرة وبمساعدة بسيطة من حراسه ، وقف على منصة الإعدام مستقبلاً القبلة وأجال بصره فى الحضور الذين نُصب لهم سرادق فى مواجهة المشنقة مفتوحاً بإتجاه الغرب ، وقد وقف العميد سجون أبوبكر ميرغنى عشرية ليتلو قرار المحكمة وإلى جواره قاضى الإستئناف مولانا عبدالرحمن شرفي ، وتلى عشرية الآية (33) من سورة المائدة والتى صُدِرَ بها القرار (إنَّما جزاءُ الّذين يحاربون الله ورسوله) أخطأ ولَحَنْ ، فتمتم الخليفى مصححاً خطأ العميد ابوبكر عشرية ، ثبات عجيب ، وهكذا هم الخوارج طيلة تاريخهم الدامى.
-*تقدَّم (عشماوي) وشد وثاق يدي المحكوم خلف ظهره حتى برز صدره من جسمه النحيل ،ثمّ أرسل القيود التي على رجليه وكانت مرفوعه من وسط سلاسلها الى خصره، ووضعها بين قدمى المحكوم، ثم وضع كيساً من قماش أحمر على وجهه ووضع الحبل على عنقه وأحكم الأنشوطة خلف رقبته ووقف فى وضع إنتباه على بمحاذاة الكتف الأيمن للمحكوم عليه، ووجهه إلى إتجاه الشمال، ووجه المحكوم إلى إتجاه الشرق ، وعشماوي يتابع بعينيه أى إشارة من مدير السجن الذى كان يستمع لحديث من القاضى وهو يهز رأسه بعلامة الإيجاب، وعندما إرتفع صوت المؤذن منادياً لصلاة الظهر وقال الله أكبر رفع العميد عشرية يده الى الأعلى وهوى بها ،فى ذات اللحظة التى فتح فيها عشماي الترباس ، فهوى جسد الخليفى فى لحظة خاطفة، وهو يتحرك بتشنجات من الأسفل للأعلى ثم همدت حركته وتعالت التكبيرات ثم ران صمت ثقيل ، والعميد عشرية ينظر فى ساعة اليد يحصى الدقائق حتى إذا ما بلغت خمسة عشر دقيقة ، أشار بيده للحراس فأنزلوا الجسد المتدلي من المشنقة ووضعوه على نقالة وتقدم طبيب شاب ووضع سماعته على صدر المحكوم فى أكثر من موقع على القلب وحوله، ثم رفع يد المحكوم من معصمها وجس نبضها ووقف معلناً وفاة المحكوم عليه، وتقدم بعض السجناء فحملوا الجسد المسجى إلى غرفة تجهيز الموتى.
*ولم يخطر ببالي، أو يتطرق إلى ذهنى بأنَّ تلك هى نهاية الإرهاب أو ردع الإرهابيين ، ولكنها كانت بداية فصل جديد من مسرحية إمتدت فصولها منذ الفتنة الكبرى ، وستستمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
(إنتهى مقال الأستاذ محجوب فضل بدري)
*ختاما الشكر والتقدير وعظيم الامتنان للأستاذ عبدالعزيز حسين الربيع ، الذي فتح باب الذكريات والأحداث التي كانت جزءاً من تاريخ هذا الوطن ، والرحمة والمغفرة لشهداء تلك الحادثة ، وقد بلغ عددهم سبعة وعشرين شهيداً ، والرحمة والمغفرة للشيخ الجليل أمام مسجد الحارة الأولى أبوزيد محمد حمزة الذي أعتز كثيراً بعلاقتي به وبأبنائه الكرام.