آخر الأخبار

الدرامي والممارسة: الحرفي، العاطل، المستنير (١)

 

أبوطالب محمد

يهتم هذا المقال بتشريح أوضاع الممارسين للفعل المسرحي السائد في المشهد المسرحي السوداني المعاصر، وتتضمن هذه الممارسة فضاءات الكتابة المسرحية ، والإخراج، والأداء.
يفترض المقال أن هذه الممارسة المسرحية بشقها الثلاثي الموسوم ( الحرفي والعاطل والمستنير)، أسهم كُلُّ مجال فيهم بدور بارز له دوافعه ومسوغاته.

أما فيما يخص الجانب الحرفي، يُلاحظ أنه سيد الموقف والمحتل للحيز الأكبر في المشهد المسرحي المعاصر، وهو مجال نظرت إليه من خلال متابعاتي ومشاهداتي اللصيقة له، وخلصتُ إلى أن استمراره الدائم في تقديم الفعل المسرحي شكَّل معضلة أساسية؛ حيث شلّ حركة التطوُّر المسرحي؛ لأسباب: أن منتجيه حرفيين أقرب لحرفيي القهاوي تنقصهم التجربة المسرحية ، وتنقصهم الموهبة، وعدم المعرفة الإيجابية بالدور الذي زجّوا أنفسهم فيه. ورغم استمرارهم في التقديم – وهم فئة واسعة الانتشار- ليسوا بأصحاب مشروع مسرحي، فقط يجارون حركة البضائع في الأسواق، أو بالأصح يقدِّمون من أجل السوق، تجدهم في دراما الإذاعة والتلفزيون والمسرح والسينما، وتجدهم حضوراً في مشاريع المنظمات الخدمية، وفي الاحتفالات، وفي افتتاح أي صرح جديد. ليست لديهم قشّة مُرة، يقدِّمون هبائهم علانية، يطلقون على فرقهم وجماعاتهم المسرحية أسماءً شتّى، وشديدوا الانشقاقات، وكثيروا التناسل في توسعة نفوذهم الأدائي، والبلاء الأعظم أنهم في حالة خصومة مع النقد والقراءة، وطال البلاء عجزهم عن قراءة نصّهم المسرحي المُقدّم، لأنهم في عجلة من أمرهم؛ يخرجون أو يقدِّمون في الأسبوع أربع مسرحيات، يجولون بها في البقاع، ويصطادون بها (الخرشات) الثمينة كما يقولون، يضاف لذلك أنهم متعالون ومفترون، لا يصغون لصوٍت ناصح، سادرون في غيهم. هؤلاء المسرحيون تجدهم في جميع ولايات السودان، يتشابهون في الطباع ويتفاوتون في درجات الغباء.

يُشكِّل مجالهم الحرفي مشكلاً أساسياً في تأخير تطوُّر الممارسة المسرحية السودانية، باعتبارها ممارسة منفصلة عن السياق التاريخي، وهي خصم لرصيدها التاريخي المعروف، لو أنهم يدركون، أو يدركون خطورة سوء أعمالهم.

بقيت هذه الحرفة مهيمنة في الآونة الأخيرة وأدّت إلى ظهور فعل مسرحي مستمر، يُصاب مقدِّموه باللهفة والاستعجال دون مراعاة لوضع شروط لمشروع مسرحي.

العاطل:
خريج فنون مسرحية أو مُدّعي أو عابر سبيل ، ينظر دون أن يقدِّم شيء يخدم الحركة المسرحية؛ في حالة تنظير سالب لا يخدم غرض مُعيّن، ودائم الانشغال في وضع خطط لحركة مسرحية موجودة في ذهنه، شخص مهووسٌ، يفتكر أنه يمتلك مفاتيح الممارسة المسرحية، و يدّعي أن أي عرض مسرحي مُقدمَّ من بنات أفكاره، وأي نصٍّ مسرحي كُتب واقف هو من خلفه، وأي ممثل/ ة ظهر هو من أتى به، لديه وجهة نظر حادة تجاه كُلّ مسرحي، وفي أي مؤسسة مسرحية، وفي أي عرض مسرحي، يتوهم أن الممارسة المسرحية مكتملة في تصوُّره الذهني، وينبغي أن ينهل المسرحيون من فيوض علمه، ويصغوا لوجهات نظره.

أسهم تواجده بعيداً عن الأضواء في تضاعف توهمه و تنظيره، وهو غير راضٍ من أن يتابع، ولا يريد أن يجمع شمله بالمسرحيين، يعيش حالة عزلة تامّة، منطوي على ذاته.

ينظر فيما تقدِّمه فئة الحرفيين بعين التبخيس، وهم لا يعبأون برأيه، يعتبرونه منظراتي، على قول المثل الشعبي ( أب سن يضحك على اب سنينتين). وهو عبء على الحياة المسرحية لا يقدِّم ولا يؤخر؛ يضيع عمره في التوهم.

المستنير:

يزخر تاريخ الحياة المسرحية السودانية بالكثير من المستنيرين، منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر دون أن يبدلوا تبديلا،ط. بدءاً من الروُّاد الأوائل الذين شيّدوا حياة مسرحية يسير بها الركبان؛ منهم الكاتب والممثل والمخرج والناقد والفني، وضعوا المهنة المسرحية موضع اهتمام، ووطنوها في وجدان الناس، وصاروا مصادر معرفية لكُلِّ باحث عن حقيقة، أمثال: عبيد عبد النور، صديق فريد، العبادي، أبو الروس، سيد عبد العزيز، عثمان حميدة، يوسف خليل، إسماعيل خورشيد، أبو العباس محمد الطاهر، الفاضل سعيد، محمد شريف على، عثمان جمال الدين، والقائمة تطول، ولا يسع المجال ولا تسعف الذكرة من رصدهم.
هؤلاء مثقفون مستنيرون، وأصحاب مشاريع مسرحية. أسسوا وأضافوا الكثير للحياة المسرحية، لأنهم ولجوا المجال المسرحي عبر مداخل شتّى وبمواهب فذة ومتنوّعة.
حسناً، تأثر بهم مسرحيون معاصرون، وساروا على الدرب حتى عُرفوا بالاستنارة في كافة المجالات المسرحية، يقدرون و يحفظون للحياة المسرحية وجهها التاريخي.