آخر الأخبار

{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}

تأملات..

علي أحمد دقاش

لم تبلغ الأنظمة الوضعية التي تسعي الى الجدل بالحسنى وعدم استخدام العنف اللفظي واتباع ما يعرف بالأسلوب الدبلوماسي عشر ما بلغه الإسلام من رقي في توجيه معتنقيه بأدب الحديث مع الخصم و الجدل معه بالحسنى واستخدام أفضل الألفاظ وتجنب خطاب الكراهية عند المخاطبة.
أرسل الله سيدنا موسي وأخيه هرون الى فرعون ووصاهم بحسن العرض للرسالة ولين الخطاب وعدم استخدام الخطاب العنيف فقال :
{ٱذۡهَبَاۤ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلࣰا لَّیِّنࣰا لَّعَلَّهُۥ یَتَذَكَّرُ أَوۡ یَخۡشَىٰ * }.
وبالنسبة للرسول صلي الله عليه وسلم عندما بعثه بالاسلام قال له:
{ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰادِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ}.
تأملاتنا اليوم حول ٱيات من سورة سبأ التي تجسد هذا المعني.
قال تعالي وفي اطار الجدل والمفاصلة بين المؤمنين والكافرين :
{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ * }
في التفسير الميسر :
قل لهم أيها الرسول الكريم لقد علمتم يا معشر المشركين أن المستحق للعبادة هو الله – تعالى – وحده ، لأنه هو الذى خلقكم ورزقكم من السماوات والأرض وإن أحدنا لا بد أن يكن على الهدى والآخر على الضلال، وسنترك تحديد من المهتدي ومن هو الضال لعقولكم وضمائركم،
ستعلمون – علم اليقين – بعد التفكر والتدبر أننا نحن المسلمين على الحق، وأنتم يا معشر المشركين على الباطل . .
الجملة لون من ألوان الدعوة إلى الله بأسلوب مهذب حكيم ، من شأنه أن يحمل القلوب النافرة عن الحق إلى الاستسلام له، والدخول فيه
في الظلال يقول سيد قطب :
[ ان غاية النصفة والاعتدال والأدب في الجدال، أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمشركين :
إن أحدنا لا بد أن يكون على هدى ، والآخر لا بد أن يكون على ضلال . ثم يدع تحديد المهتدي منهما والضال، ليثير التدبر والتفكر في هدوء لا تغشى عليه العزة بالإثم ، والرغبة في الجدال والمحال ! فإنما هو هاد ومعلم ، يبتغي هداهم وإرشادهم لا إذلالهم وإفحامهم ، لمجرد الإذلال والإفحام !
الجدل على هذا النحو المهذب الموحي أقرب إلى لمس قلوب المستكبرين المعاندين المتطاولين بالجاه والمقام، المستكبرين على الإذعان والاستسلام، وأجدر بأن يثير التدبر الهادىء والاقتناع العميق . وهو نموذج من أدب الجدل ينبغي تدبره من الدعاة ]
يصف الطبري هذا النوع من الجدل الذي يراعي ادب الحديث بأجمل التكذيب، قال الطبري :
(الصواب من القول في ذلك عندي أن ذلك أمر من الله لنبيه بتكذيب من أمره بخطابه بهذا القول بأجمل التكذيب، كما يقول الرجل لصاحب يخاطبه، عندما يريد تكذيبه في خبر له:
“أحدنا كاذب” . قائل ذلك يعني بالطبع صاحبه لا نفسه، لهذا المعنى صير الكلام بـ “أو”.
العلامة العراقي د.فاضل السامرائى يرى أن الآية نسبت الإجرام للمؤمنين والعمل لغير المؤمنين لأنها جاءت في سياق الدعوة والتبليغ والمحاجّة وهذا النوع من الحديث هو من باب الإنصاف في الكلام
أراد أن يستميل قلوبهم فقال (عما تعملون) هذا هو الذي يسموه الإنصاف لا يريد أن يثيرهم بل يريد أن يفتح القلوب بالقبول فإذا قال تجرمون معناه أغلق باب التبليغ في الاية التي قبلها قال :
(وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) فاستخدم حروف جر ذات دلالات محددة استخدم “على” التي تفيد الاستعلاء للمؤمنين لتفيد انهم مستعلين بالايمان واستخدم “في” الظرفية لتحديد مكان الفئة الأخرى بما يفيد أنهم قابعين في الضلال .
نستلهم من هذه الآيات أنه دائما في الدعوة ومن أجل حسن التبليغ ينبغي لنا أن نلجأ الى الإنصاف في الكلام حتى لا يغلق الباب أمام الخصم،
وهذا هو غاية الإنصاف.
اطلت في ايراد تفسير العلماء للآيات وتأملاتهم حولها لأني عندما تدبرت خطابنا الحاضر اذهلني عنفه واستخدام المتحدثين في الغالب الفاظ عنيفة جارحة تثير الكراهية،
دخلت في قاموسنا اللغوي الفاظ جديدة مثل “بل” “جقم” “مسح” وغيرها من الألفاظ العنيفة.
لا يمكن لإنسان أن يكسب المخاطب وهو يستخدم لغة عنيفة قاسية تثير الكراهية.
من طبائع الانسان العناد والتمسك بمواقفه وعدم تغييرها بسهولة،
إني أدعو الى ضبط الخطاب الاعلامي واستخدام “أجمل التكذيب” كما قال الطبري و “إنصاف المخاطب ” كما قال السامرائي.
خطاب الكراهية العنيف لابد من ضبطه وتغييره استلهاما لهذه الآيات، لغة الحوار التي يستخدمها المسلمون ينبغي ان تلتزم بهذا الهدي القرآني.

الجمعة ١١ ابريل ٢٠٢٥