جرائم الجنجويد بدارفور(2)كُتم …المليشيا تحول المدينة إلى رماد
- جثث القتلى تغطي شوارع وأحياء مدينة الجنينة
- وحدة مكافحة العنف ضد المرأة: الجنجويد إغتصبوا 18 مراهقة في (كتم)
- الأمم المتحدة: 15 ألف مواطن قتلوا بواسطة الدعم السريع بمدينة الجنينة
تحقيق ــ التاج عثمان:
عدد من قراء الصحيفة إتصلوا بي عاتبون لعدم إجرائي لتحقيقات صحفية لما يدور بدارفور عدا قليل من الأخبار والتقارير عن المذابح والإبادة الجماعية التي ترتكبها مليشيا الدعم السريع في حق مواطنيهم آخرها المذابح والحرائق والمشانق التي تعرض لها سكان معسكري زمزم وأبو شوك.. مشيرين أنها لا تعكس الأحداث بالتفصيل كالتحقيقات التي تجريها الصحيفة بإستمرار وعلى حلقات عما يدور في المناطق الأخرى أثناء سيطرة المليشيا عليها كولايات الخرطوم والجزيرة وسنار مثلا.. فأوضحت لهم مبررا أن الصحيفة لم ولن تغفل ما يدور بدارفور ولكن يعود ذلك لشح المصادر والمعلومات الموثوقة القادمة من هناك بجانب إستحالة الوصول لمسارح الأحداث هناك ما يفسر شح المواد الصحفية المتكاملة والتفصيلية التي يعتمد عليها التحقيق الصحفي.. وللمصادفة أنني وقتها كنت أجمع المواد التفصيلية اللازمة لسلسلة تحقيقات صحفية عن أحداث دارفور والإقتتال الدائر فيها منذ سنوات طويلة.
مجاذر كُتم:
مدينة كتم تقع في شمال دارفور، يسكنها شعب الفور، مع أقليات لمجموعات من قبائل التنجر والبرتي غير العربية.. اما المجموعات العربية فتسكن في القرى المحيطة بكتم والتي سيطرت عليها مليشيا الدعم السريع مع بداية الحرب وإرتكبت فيها مجاذر مروعة خاصة بمخيم (كسب) للنازحين والقرى المجاورة للمدينة، وذلك بعد ان قتلت عصابات محلية ضابطا في حرس الحدود بدارفور وهو على صلة قرابة بحميدتي مؤسس مليشيا الجنجويد.. بعدها قتل ما لا يقل عن 590 مدنيا في الهجمات على معسكر كسب للنازحين شمال كتم.. ودمرت واحرقت المليشيا كل مدينة كتم، ونهبت سوقها ثم أحرقته فتحول إلى رماد، كما قامت المليشيا بإحراق المباني والمكاتب الرسمية في المدينة حتى ان حاكم إقليم دارفور ميني ميناوي وصفها وقتها بـ(المدينة المنكوبة).
حسب موقع (ميدل. إست.آى)، المليشيا المتمردة إرتكبت فظائع وجرائم وحشية في حق مواطني مدينة كتم والقرى حولها، حيث قامت العصابات المتوحشة بإغتصاب 18 إمرأة معظمهن مراهقات، وذلك حسب تصريح وحدة مكافحة العنف ضد المرأة السودانية.. كما قام الجنجويد بإعدام عمدة كتم، فاروق محمدين، بعد رفضه التخلي عن مفتاح سيارته.. بجانب مصرع العشرات على يد هذه العصابات الإجرامية المتعطشة للدماء.. ونتيجة للأعمال الوحشيىة التي إرتكبتها مليشيا الدعم السريع بالمدينة فر أكثر من 90 بالمائة من سكان كتم إلى الفاشر والهشابة على بعد عشرات الكيلومترات من كتم.. ومن بقي بالمدينة فرضت عليه المليشيا اتاوات بحجة حمايتهم من العصابات والهجمات الإنتقامية للعصابات المسلحة الأخرى.. كما تم فرض ضرائب باهظة على التجار الذين يسلكون طريق كتم ــ الفاشر.
مجلة الإيكونوميست البريطانية ذكرت في تقرير لها:(الوسطاء الغربيون فشلوا في إنهاء الصراع المحتدم في السودان) من جانبها صرحت لـ(بي. بي. سى) مستشارة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بمنع جريمة الإبادة الجماعية:(المدنيون في الفاشر يتعرضون للإستهداف على أساس إنتمائتهم العرقية، ما يغذي المخاوف من إحتمال وقوع عملية تطهير عرقي) وبالفعل حدث ما توقعته، (أليس)، مستشارة الأمم المتحدة المعنية بمنع الإبادة الجماعية بواسطة مليشيا الدعم السريع.
شهود عيان:
المعلومات التي تحصلت عليها (أصداء سودانية) وتنشرها بالتفصيل عبر هذا التحقيق، معلومات مؤلمة وصادمة ننقلها عبر شهادات النازحين من مدينة الفاشر إلى معسكر النزوح بتشاد.. الآلاف نزحوا من المدينة بسبب التدوين المستمر والقصف العشوائي لمليشيا الدعم السريع على المدنيين من سكان المدينة.. وهذه بعض إفاداتهم.. تقول الطالبة الجامعية مناهل: كنت أسكن بمنزلنا وسط مدينة الفاشر مع والدتي وستة من أخواني وزوجاتهم واطفالهم.. وبسبب التدوين المستمر للمليشيا لأحياء المدينة قام إخوتي بحفر خنادق داخل منزلنا للإحتماء بها من قذائف المليشيا لكنها لم تجد نفعا.. وبعد ان حصدت دانات الدعم السريع مئات المواطنين قررنا الخروج من المدينة والنزوح إلى تشاد 
اما معلمة اللغة الإنجليزية، حفيظة، فتروي مأساتها بقولها: “تخرجت من الجامعة حديثا وكنت أهيئ نفسي لأصبح معلمة لغة إنجليزية بالمدرسة الثانوية بالجنينة.. كنت أقيم لوحدي بالمنزل بالفاشر وبسبب سقوط الدانات والقذائف خرجت برفقة بعض المواطنين من الفاشر إلى الحدود التشادية لمخيم (أدري).. بعد ان شاهدت جنود الدعم السريع يعتدون بالضرب والقتل على المساليت بالجنينة بعد إحتلالهم لها.
أربعة من النازحين من الجنينة لمخيم أدرى بتشاد، وهم من المساليت وصفوا الأوضاع هناك بعد إحتلالها بواسطة مليشيا الدعم السريع المتمردة، بقولهم:”عقب دخول الدعم السريع للجنينة قاموا بإعتقال الشباب والشيوخ مع ويسالونهم بقولهم: (انت مسلاتي؟)، أي انت من قبيلة المساليت، وإذا أجبتهم بانك من المساليت ينهالون عليك بالضرب المبرح بسياط العنج والعصى بينما هم موثوقي الأيدي.. وكانوا يتناقشون عما يفعلونه بنا، وأذكر
أن أحدهم، ويبدو أنه قائد تلك المجموعة التي إحتجزتنا، قال لهم: (تصفية بس)، وعلى الفور يمطروننا بوابل من الرصاص وكأننا مجرد كلاب.. وبهذا الإسلوب الحاقد حدثت مجاذر كثيرة بمدينة الجنينة من جانب مليشيا الدعم السريع.. أيضا كانوا يطلبون منا الركض أمامهم وإجبارنا على ذلك بإطلاق الرصاص تجاه أرجلنا فنضطر للجري أمامهم مثيرين زوبعة من الغبار تماما كما تفعل الأبقار، بعدها يقومون بتصفية المجموعة بالكامل، ولذلك إنتشرت الآف الجثث بكل شوارع وأحياء الجنينة، والرقم الذي أطلقته الأمم المتحدة عبر إحصائية لها من ان قتلى سكان مدينة الجنينة من المساليت بلغ حوالي 15 ألف شخص لا مبالغة فيه بل القتلى أكثر من ذلك بكثير لو اضفنا لهم قتلى المعسكرات، حيث تم حرق كل أحياء المساليت بمدينة الجنينة، وبعض المساكن تم حرقها وداخلها بعض المسنين والأطفال
محمد، من قبيلة المساليت، قال: نزحت من مدينتي الجنينة لمعسكر أدري بتشاد هربا من المذابح التي أقاماها الدعم السريع في حق المساليت، لا يفرقون بين رجل او إمرأة او مسن، حتى الأطفال كانوا يذبحونهم بوحشية وكأنهم طيورا وليسو بشرا.. نحن شباب المساليت لم نستلم للمليشيا فقد قاومناهم مقاومة عنيفة ودافعنا عن مدينتنا الجنينة لكن في النهاية تغلبوا علينا بسلاحهم بينما نحن لم نكن مسلحين بالشكل الكافي ولذلك إنسحبنا ونزحنا لتشاد.
أكاذيب كرشوم:
من الأحداث المؤلمة والتي وثقها أفرادة المليشيا بانفسهم بالفيديو وشاهدها كل العالم، تصفية والي ولاية غرب دارفور، خميس أبكر، وهو من قبيلة المساليت، وذلك عقب تصريحه لقناة العربية بلحظات، حيث قال: مليشيا الدعم السريع عند دخولها الجنينة كانت تستهدف بشكل خاص أبناء المساليت حيث تم قتلهم بالآلاف بدم بارد, بعدها القت المليشيا القبض عليه وأقتادوه لداخل مقر الدعم السريع بالجنينة وكانت تلك آخر مرة يشاهد فيها الوالي على قيد الحياة، حيث تم قتله وسحله والتمثيل بجثته في مشهد صادم شاهده كل العالم والذي لاذ بالصمت كعادته تجاه المذابح والمجاذر التي ترتكبها قوات الدعم السريع المتمردة في حق المدنيين.. وإحتفلت المليشيا بمصرع الوالي بقولهم: تاني ما في دار مساليت.. دار عرب بس وبعد مصرع الوالي فر آلاف المساليت من الجنينة لتشاد ولم تتركهم المليشيا لحالهم بل لاحقتهم في طريق الهرب وتعرضوا للنهب والضرب والقتل وإغتصاب وخطف الفتيات القاصرات
وبعد سيطرة المليشيا على مدينة الجنينة ظهر بإحدى القنوات العربية الفضائية ما أسموه الوالي الجديد لغرب دارفور، التجاني كرشوم، وقال وقتها بالحرف: نحن فتحنا صفحة جديدة، سلام وتعايش وتجاوز الماضي بكل مراراته.. ولا ننكر ان الحرب فيه موت لكل الأطراف وعدد القتلى مبالغ فيه.. والتطهير العرقي في الجنينة ضد المساليت، كما أشار له البعض، لا يمكن إثباته إلا بالأدلة وبعد التحقيق، وكل من ثبت مشاركته سوف يحاسب.. وأؤكد انني لا أنتمي لمؤسسة الدعم السريع فانا مدني, وكل المراقبين المتابعين للحرب بدارفور اجمعوا على أكاذيب كرشوم، بدليل ان الإتحاد الأوربي وضعه في قائمة عقوباته ضد مجرمي الحرب بدارفور لتخطيطه ومشاركته في مقتل سلفه الوالي السابق، خميس أبكر.. كما ان فيديو مقتل وسحل الوالي خميس أبكر أستخدم ضمن الوثائق التي تثبت جرائم الدعم السريع ضد المدنيين بدارفور
الحلقة القادمة:
ــ شهود عيان يكشفون لـ(أصداء سودانية) تفاصيل المذابح والمجاذر التي إرتكبها الدعم السريع داخل معسكري النازحين بزمزم وابو شوك