السودانيون إرث يتحدى المحن
سهير محمد عبدالله
*في زمن تتداعى فيه الأوطان، وتتشظى فيه الجغرافيا، تظل الشعوب الحية وحدها قادرة على مقاومة الانهيار ولن يُهزم شعبٌ جعل من معاناته جسورًا نحو الثبات، ومن ألمه مصدرًا للقوة لن يُهزم من أحيا إرث التكايا، في خضم الحرب، وجعل منها وجهة للمحتاجين، وملاذًا للفارين من أهوال القصف، يطعمهم من القليل، ويمنحهم الطمأنينة من قلب الجحيم
لن يُهزم هذا الشعب الذي، كلما هصرتْهُ المعاناة، قابَلها بقلبٍ حامدٍ شاكر، وكلما تناوشته الخطوب من كل صوب احتمى بالحمد، وتجلّد بالشكر، حتى صار أكثر صبرًا واحتمالًا. شعبٌ شُرّد وتوزّع، نُزح وقُتل، بلا ذنب، بلا رحمة. أرهقته الحياة حتى كاد ييأس، لكنه لم يرفع راية الانكسار. تأقلم مع كل نازلة، وتعايش مع الانكسارات بوجه باسِمٍ رغم الوجع، وبقلبٍ لم يفقد القدرة على العطاء.
*ربما استطالت الحرب فأتعبته، وربما تسرّب اليأس إلى أطرافه، لكنه ظل وفيًا لإنسانيته، متماسكًا، متمسكًا بأسمى معاني الإيثار، مقدّمًا حاجة الآخرين على قلّة ما بيده لم يمنعه النزوح عن طقوسه، ولا اكتظاظ مراكز الإيواء عن تبادل التحايا، والسؤال عن الغياب، وبذل اللقمة والطمأنينة ظلّت التحايا اليومية تتردّد في الأرجاء، كيف أصبحتوا؟ كيف قيلتوا؟ كأنها تمائم ضد الانطفاء.
*لقد صقل استعار الحرب قلوبهم، وصهرها في بوتقة الانتماء، فتوحدوا رغم التباين، وتدافعوا بالعزم والحميمية حين نادى فيهم المحتاج. وحدتهم القسوة فاستظلوا تحت صبرٍ جماعي، وصاروا أكثر ميلًا إلى الرضا، يقطعون الطريق على الشكوى بعبارات الإيمان، ويستقبلون الأقدار بـ (الحمد لله) التي صارت دثارًا روحيًا يُجدد خلاياهم مع كل وجع.
*رغم قسوة النزوح وظلال الحرب الثقيلة، لم يفقد هذا الشعب قدرته على خلق الفرح من قلب الألم, ففي المخيمات، حيث تختنق المساحات، يُصرّ النازحون على إعادة إنتاج الحياة. يُحيون الأعياد، تُعلَن الخطوبات، وتُقام حفلات الزفاف، وتتعالى الزغاريد، وكأنهم يُقاومون الموت بالغناء، والفقد بالبهجة، والغياب باللمة.
*في تلك الخيام المتقشفة، وُلد الأطفال، ونمت الأحلام صار مركز الإيواء غرفة ولادة، ومدرسة أولى، وملعبًا ودارًا كل مولود جديد هو إعلان أن الحياة لا تزال ماضية في عنادها، وكل زواج جديد هو تأكيد على الإصرار في مواجهة القطيعة والفقد. وتبقى الأم – قلب الحياة النابض – تنجب وتربّي وتُرضع الأمل، رغم شحّ الغذاء، وضيق الحال، وبؤس الظروف.
*لم تتخلَّ النساء عن تفاصيل الفرح، ولا عن إعداد الزريعة، ولا (عواسة الأبري)، ولا عن تجميل صغارهن في صباحات العيد. لم يمنعهن النزوح من صيام عاشوراء، ولا من إقامة صلاة القيام، ولا من التمسك بكل ما يُبقي الروح حيّة. بكَين وضحكن، صلّين ودَعَون، حملن الوطن في الدعاء، واليقين، والحلم. وبين دعواتهن، تظل عبارة: (الله يرجّعنا بيوتنا) تخرج كالنَفَس، ثابتة، مُلحّة، لا تَغيب.
*ورغم الفقد والتشريد، لم يتخلَّ هذا الشعب عن حقه في الحياة. ففي كل بيت هدم، ووراء كل غياب موجع، وُلدت حكاية صمود جديدة. لقد قبلوا الحياة كما هي، بمرّها وقسوتها، لكنهم لم ينكسروا، بل ظلوا متمسكين بأمل العودة، مرددين (الحمد لله) في كل محنة، و(الله يرجّعنا بيوتنا) في كل صباح الحرب أفرغت البيوت من أهلها، لكنها لم تفرغ القلوب من الإيمان، ولم تنجح في انتزاع الطقوس والعادات التي بقيت حيّة في قلوب النساء والرجال على السواء.
*وفي المخيمات، التي ظنها البعض محطات مؤقتة، أعادوا ترتيب الحياة من جديد؛ حفلات زفاف، زغاريد نجاح، ولادات أطفال، صلوات جماعية، وطقوس رمضانية وشعبانية لم تغب، رغم الغياب القاسي للمساعدات المرأة، وهي أيقونة هذا التحدي، لم تتخل عن (عواسة الأبري) ولا عن تجهيز (الزريعة)، ولا عن التزين في الأعياد، رغم ضيق الحال. بكَت وضحكت، صلّت وأقامت الليل، راجية رحمة الله، صابرة محتسبة، وزارعة أملًا صغيرًا يكبر كل يوم بين جدران خيمة.
وتستمر الحياة رغم الحرب. بين الركام، وبين الدموع والضحكات، يبقى هذا الشعب شاهدًا على أن الإنسان، حين يتشبث بالإيمان، لا يُهزم.