آخر الأخبار

على خلفية حديث وكيلة وزارة العدل ..(المنهوبات والمهملات) الخيط الرفيع

  • المنهوبات لها تكييف قانوني وفي أوقات الحروبات والنزاعات تحكمها تدابير (بناء السلام وما بعد النزاعات)
  • هناك منهوبات يصعب التحقق أو التعرف على أصحابها… ولكن
  • بإمكان اللجان التي تقرر بشأن المنهوبات والمهملات الأخذ بتجارب الدول التي مرت بظروف مشابهة

تقرير / د. إبراهيم حسن ذو النون:
لابد من التقرير في البدء بأن الأوضاع التي تشهدها بلادنا منذ ما يزيد على العامين نتيجة الحرب التي نفذتها مليشيا آل دقلو الإرهابية تمريرا لأجندات دولة الإمارات العربية, وتحقيقا لمآرب ومصالح شخصية, هي أوضاع استثنائية تتطلب تدابير وإجراءات مماثلة لاأن من المعلوم أن الحروبات والنزاعات تنقل الدول والمجتمعات إلى ما يعرف ب(حالة إضطراب الدور) والتي تستلزم تدابير تتوافق مع هذه الحالة الاستثنائية حتى تستقيم الأمور وتعود لسابق عهدها على النحو المعتاد.
المنهوبات والمهملات:


آثار حديث السيدة وكيلة وزارة العدل رئيس القطاع القانوني هويدا علي عوض الكريم عن المنهوبات العامة والخاصة التي نهبت من المرافق العامة ومن منازل ومتاجر وممتكلات المواطنين في الأحياء والقرى والأسواق والمناطق الصناعية جدلا واسعا بين الأوساط القانونية والسياسية بل حتى في اوساط عامة المواطنين.
ولعل سبب الجدل أن السيدة وكيلة وزارة العدل قد قصدت بيع وتسييل المنهوبات التي يصعب التحقق من الوصول إلى أصحابها لاسيما أن هناك منهوبات الوصول لمالكيها أو ورثتهم في حالة وفاتهم أوفقدانهم الفقد الأقرب للموت الحكمي أو لتشابه هذه المنهوبات مع منهوبات تخص آخرين مثل الاثاثات المنزلية والأدوات الإلكترونية والأواني المنزلية ولكن هناك منهوبات يمكن التحقق منها من الجهات الرسمية التي تمتلك سجلات رسمية ومعتمده ويمكن ملاحقة ما خرج منها خارج البلاد وذلك عبر الآليات المنظمة للملاحقة ووفق التدابيرالمقررة.
خيط رفيع ولكن:
مما آثار الجدل في حديث وكيلة وزارة العدل هو أن البعض قد فسر بل خلط بين المنهوبات التي تم نهبها بواسطة أفراد المليشيا المتمردة أو المجموعات المتفلتة المتعاونة معها وبين المهملات التي خلفها الناهبون في المناطق التي تم نهبها والتفرقة بين المنهوبات والمهملات يسهل التوصل إليها, فالنهب عموما وفي الأحوال العادية له توصيف قانوني حيث للجريمة أركانها ومحددات عقابية وقد بينت القوانين تعريف جريمة النهب بأنها هي (الاستيلاء على ممتلكات الغير قهرا عنوة وقسرا), وهي من الجرائم التي حرمتها الأديان السماوية, حيث يقول الله سبحانه وتعالي في محكم التنزيل (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ان يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم), وكذلك حرمت جريمة النهب القوانين الدولية لما فيها من تعدي سافر على الإنسان وترويعه, وقد اعتبر ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية جريمة النهب أثناء النزاعات المسلحة والحروبات من الجرائم ضد الإنسانية لأنها ترتبط بجريمة أخرى تتساوى معها في الخطورة وهي جريمة التهجير القسري للسكان.
أما المهملات فتكييفها القانوني يعود إلى تعريفها بأنها(أشياء وجدت مجهولة المصدر أو غير معروفة الأصل, ومنها ما يوجد في الطرقات والأسواق وأماكن التجمعات العامة, ومنها ما يوجد في حظائر سلطات عامة حجزتها بموجب قانون ولم يحضر أصحابها لإستلامها بعد مضي قيد زمني محدد قانونا),وقد فصلت القوانين الإجرائية الخاصة بتلك السلطات التدابير الخاصة بالتصرف فيها بالبيع أو البدل أو غيره, وقد حددت تلك الإجراءات ما يتبع بخصوص الأموال المتحصلة نتيجة بيع هذه المواد أوتسييلها.
العودة والبحث عن المنهوبات:


الآن بدأت أعداد كبيرة من المواطنين تعود للمناطق التي تم استردادها من المليشيا المتمردة وبدأت السلطات المختصة في مباشرة ترتيبات وتدابير العودة إلى المنازل وفتح الأسواق والمقار العامة, وكل هم هذه الأعداد من المواطنين أن تعود لمعاودة حياتها الطبيعية وهذه قد لاتتأتي لها لهم على النحو المطلوب لأن معظم مقارهم قد تم نهبها, لذلك يبدأون رحلة البحث عن هذه المنهوبات بالطرق القانونية ووفق الإجراءات المتبعة في مثل هذه الحالات, فبعض هؤلاء المواطنين قد قاوموا بفتح بلاغات عن ما تعرضوا له ومن بين ذلك (ماتم نهبه) ويذهبون للنيابة المختصة وإلى الشرطة لمتابعة ما تم ضبطها وتسليم كل ذي حق حقه وفق المتبع من إجراءات, أما المنهوبات التي يصعب التعرف على أصحابها (خاصة المنهوبات المتشابهة) بعد تجميعها والتي يمكن العمل بما جاء في الفتوى ستصدرها على تحول مبالغ بيع وتسييل هذه المنهوبات إلى الصندوق أو الصناديق الخاصة بالتعويض وذلك تخفيها على آثار ما لحق بهم من أضرار مادية فوق المتصور.
أما الحديث عن بيع المنهوبات وتسييلها وتحويل عائدات ذلك للمصلحة فإنه حديث سابق لأوانه وإذا تم أي تصرف بالبيع والتسييل فينبغي العمل بما ذكر أعلاه.
أسأل مجرب:
بتقدري أن الكثير من الدول التي حدثت فيها حروبات ونزاعات مشابهة لما حدث في حرب السودان لها تجارب في التعامل, ليس في ماتم نهبه فحسب بل في كل ما يتعلق باحتياجيات ما بعد الحرب والتي تدخل ضمن برامج بناء السلام وتعزيزه. وبرامج إدماج المتاثرين بالحروبات والنزاعات في برامج إعادة التوازن المعنوي والنفسي للانتقال من مرحلة اضطراب الدور إلى مرحلة التعافي والتقليل من الآثار النفسية والعناية للحرب.