حديث البرهان في مؤتمر الخدمة المدنية.. رسائل محددة ومتلقين كثر
تقرير- الطيب عباس:
بدأ رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، حديثه في مؤتمر الخدمة المدنية في مدينة بورتسودان، أمس الثلاثاء، برسائل موجهة لجهات بعينها، كانت بعض هذه الجهات داخل قاعة المؤتمر وأخرى بالخارج، وحسب المتابعات، فإن البرهان تحدث أمس من زاوية الرجل التنفيذي الأول في الدولة، وهو منصب كاد أن يضيع جراء انشغال الجميع بحرب الكرامة، لكن فيما يبدو فإن الفساد داخل مؤسسات الدولة دفع البرهان للحديث حول هذا الأمر في محاولة لمنع تجريف المؤسسات وتحويلها لضيعة خاصة بالمسؤولين، ومن هنا كانت الرسائل ذات قيمة وموجهة بشكل دقيق.
الرسالة الأولى:

تحدث البرهان حول مراجعة التوظيف بالدولة، وقال إن وزراء جاءوا بأقاربهم وإخوانهم و(حبوباتهم) ووظفوهم بالوزارات، ويتوقع مراقبون أن يقوم رئيس مجلس السيادة شخصيا بحملة مراجعات لمدراء الوزارات والوظائف الهلامية التي افترعها وزراء لتسكين أقاربهم، لكن الخطوة الأولى حاليا في يد الوزراء أنفسهم لمراجعة التوظيف وفي حال اعتبروا أنفسهم غير معنيين بالرسالة فإن (الكنس) المركزي سيقتلع الوزراء أنفسهم وليسو أقاربهم، هكذا يأمل ويتوقع مراقبون.
واقعيا فإن تضجر البرهان من الفساد في مؤسسات الدولة، وإن جاء متأخرا بحسب مراقبين لإنشغال الدولة بمعركة الكرامة، فإنه سيضع عجلة الدولة في مسارها الصحيح باختيار الرجل المناسب في المكان المناسب, هذه الفوضى في مؤسسات الدولة التي تحدث عنها البرهان، لم تكن وليدة اللحظة، وإنما امتدت منذ العام 2019، وسبق لمساعد القائد العام، الفريق ياسر العطا، الشكوى من وجود متاريس تعطل العمل في دواوين الدولة، بينما نشرت تقارير في وقت سابق عن وجود موظفين داخل الدولة لا يزالون يوالون تنسيقية (تقدم) الظهير السياسي لمليشيا الدعم السريع.
هذه الرسالة التحذيرية التي أطلقها رئيس مجلس السيادة، ستكون فاعلة بحسب مراقبين حال تم تمكين جهاز المخابرات من الحركة وسط هذه المؤسسات، وقطعا سينهي فوضى التوظيف وخطل الموظفين الذين يعملون سرا مع تنسيقية (تقدم) وأولئك الذين يعملون في الخفاء كذلك مع التمرد.
الرسالة الثانية:

تبدو الرسالة الثانية لحد كبير، ذات طابع أمني وسياسي، ويقول مراقبون إن البرهان حين سفه من رددوا شعارات (المجد للساتك) كان ينعي بشكل خاص حقبة قوى الحرية والتغيير، التي كانت السمة البارزة فيها هي الفوضى والانحلال الأمني، الذي قاد في نهاية الأمر إلى الحرب الحالية، وهو هنا لا ينعي تلك الحقبة فحسب وإنما يهيل التراب على كامل التجربة برمتها ويقطع الطريق أمام أي دور سياسي مستقبلي لتحالف (تقدم)، ذلك التحالف الذي تبنى شعار (المجد للساتك) ثم عندما تمكن في الحكم هاجم مشعلي اللساتك في المظاهرات.
ولخص البرهان المستقبل والمجد للبندقية فقط، وهو هنا بحسب مراقبين يشير إلى أن الحاضنة السياسية لحكومة الفترة الانتقالية ستكون من المقاومة الشعبية والمستنفرين وكافة جموع الشعب السوداني الذين انخرطوا في معركة الكرامة وليسو الإسلاميين كما يشاع، الذين لن يكون لهم أي دور في المستقبل، كما نفى البرهان أن يكون للإسلاميين كتنظيم أي دور في قيادة المعركة.
الشق الأمني من هذه الرسالة، هو أن الدولة لن تسمح مرة أخرى بتكرار فوضى سنين (قحت) ولن تقبل تتريس الشوارع وحرق اللساتك وتعطيل حياة السودانيين مرة أخرى، وبالتالي عودة السيولة الأمنية وتفشي الجريمة مرة أخرى.. ويقول مراقبون أن البرهان أطلق هذه الرسائل لتصل للمعنيين بها، في محاولة لتعبيد الطريق أمام استقرار الدولة.
الرسالة الثالثة:

تبدو الرسالة الثالثة معنية بشكل خاص بمعركة الكرامة، وهى تقرأ بحسب متابعين في إطار إغلاق ملف المعركة بشكل نهائي، حيث قال البرهان إن المعركة ضد مليشيا الدعم السريع وضد من يحمل السلاح ضد الدولة، وليس ضد أعراق بعينها، معتبرا أن من يروج لاستهداف قبائل بعينه يرمي من وراء ذلك لحشد الناس للقتل، وأكد رئيس مجلس السيادة بشكل خاص أن تمرد رئيس القبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة، وهي رسائل يراها مراقبون مهمة للغاية وتهدف لفصل القاعدة الشعبية من التمرد الذي يروج أن الحرب موجهة ضد قبائلهم، ويرى مراقبون أن البرهان ربما أدرك أن هناك قيادات أهلية بدارفور لا تزال توالي الدعم السريع خوفا أو حفاظا على مكوناتها، وأن الرسالة موجهة لهؤلاء ولآخرين خدعتهم المليشيا بأن الحرب تستهدفهم كإثنيات.
ويتوقع مراقبون أنه مع تقدم متحرك الصياد، واقترابه من دارفور سيشجع نظار القبائل لرفع أيديهم من الدعم السريع، خصوصا بعد تأكيدات رئيس مجلس السيادة، معتبرين أن حديث البرهان في هذا الشأن جاء في وقته وسيكون له وقعه الخاص في المستقبل القريب.
تحدث البرهان في مؤتمر الخدمة المدنية راسما المسار الذي ستسير عليه الدولة حتى إنتهاء الفترة الانتقالية، مع بث رسائل تحذيرية بأن الحكومة لن تتسامح مع من يعرقل خط سير الدولة أو يعمل على انحرافها، وهي رسائل بكل تأكيد وصلت لمتلقيها، فهل ستشهد مؤسسات الدولة عمليات تطهير واسعة؟