
رحيل عبدالرحمن حسن ورحيل مبارك
بعد .. و .. مسافة
مصطفى أبو العزائم
*قبل أيام قليلة كنا داخل إحدى القاعات في مسجد من مساجد مدينة نصر بالقاهرة، لنؤدي واجب العزاء في وفاة المصرفي الإنسان الراحل عبدالرحمن حسن، محافظ بنك السودان المركزي الأسبق، وللرجل علاقات واسعة وممتدة مع كل ألوان الطيف السياسي والإقتصادي والمصرفي والمجتمعي بصورة عامة ، وهو ما انعكس حضوراً كثيفاً من أبناء الوطن الذين أجبرتهم ظروف الحرب في السودان على النزوح واللجوء إلى الشقيقة مصر.
*وكنت قد توجهت مع الأخوة الأصدقاء والزملاء الكرام الأساتذة صلاح عمر الشيخ ، وفتح الرحمن النحاس، ومحمد الفاتح أحمد، صوب مدينة نصر ذات مساء صائف لأداء واجب العزاء وزيارة أحد رموزنا الوطنية بعد ذلك، والتقينا هناك بعدد من الأصدقاء ومن الرموز من بينهم البروفيسور جلال الدقير، وصديقنا الأستاذ كرار صديق كرار المحامي وآخرين، وهو ما لم يمكننا من القيام بالزيارة الإجتماعية إذ كانت الساعة قد اقتربت من الحادية عشر مساء.
*خلال العودة كنا نتبادل أحاديث الذكريات، في مجال العمل الصحفي ونقف عند أبرز المحطات خاصةً تلك المشتركة بين بعضنا البعض ، فكان أن تطرقنا إلى ذكريات انتفاضة أبريل 1985 التي أطاحت بحكم الرئيس جعفر محمد نميري، رحمه الله، وكنا وقتها بحكم السن وصديقي فتح الرحمن النحاس ممن يفيضون حماساً ضد النظام مثل كثير من الشباب، وكنا وقتها نعمل في صحيفة الأيام ضمن كوكبة من الزملاء اللامعين ، إذ لم تكن هناك إلا صحيفة (الأيام) وشقيقتها (الصحافة)، وكان للصحفيين قيمة وسطوة.
*تطرقنا إلى أبرز أحداث ما بعد الثورة ، ومنها زيارة الرئيس المصري الراحل حسني مبارك إلى الخرطوم ولقائه بالمشير عبدالرحمن محمد حسن سوار الذهب .. وكنا نعلم قيمة الرئيس مبارك ، فهو ومنذ أن التحق بالكلية الجوية المصرية في العام 1950م، والتي تخرج فيها ضابطاً و تدرّج خلال فترة عمله في الرتب العسكرية وترقى إلى أن أصبح رئيساً لأركان حرب القوات الجوية ، ثم قائداً لها في أبريل من العام 1972م في إطار ترتيبات الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات لحرب أكتوبر ، فقد رأى فيه قائداً يمكن أن يحقق ما تريده القيادة العليا ، وبالفعل قاد اللواء طيار محمد حسني السيد مبارك – وهذا اسمه كاملاً – قاد القوات الجوية في حرب اكتوبر 1973م ، وحقق بالضربة الجوية وما تبعها من غطاء جوي للقوات البرية وهي تقتحم سد بارليف في السادس من اكتوبر من العام 1973م الذي صادف اليوم العاشر من رمضان، حقق النصر المصري المؤزر على الجيش الذي لا يهزم كما كان يروج الإسرائيليون لجيشهم ، لكن تلك المقولة سقطت وأسقطت معها حكومة تل أبيب، بعد حرب الساعات الست ، وذاق الإسرائيليون طعم الهزيمة المر لأول مرة.
*لمع نجم (مبارك) وتقدّم الصفوف بالكفاءة والقدرة والإستحقاق فإختاره الرئيس السادات- رحمه الله- عام 1975م نائباً له بعد أن ظل المنصب شاغراً لفترة طويلة، ثم تقلد منصب الرئيس بعد أن تم إغتيال السادات على يد جماعة سلفية إسلامية مصرية في العام 1981م ، وتم إختياره بعد استفتاء شعبي ليحكم بعد ذلك بالتجديد في الأعوام 1987م و1993م ، و 1999م ، حتى فوزه في إنتخابات عام 2005م التي ووجه فيها بالنقد مثلما ووجه بالنقد النظام الانتخابي وقابلية التجديد للرئيس لأكثر من فترة حسب ما هو منصوص عليه دستورياً
*قابلتُ وزميلي الأستاذ فتح الرحمن النحاس، الرئيس محمد حسني مبارك وجهاً لوجه، وحييناه يداً بيد عام 1985م في مطار الخرطوم عندما زار السودان عقب إنتفاضة السادس من أبريل في ذلك العام، وكنا منتدبَين من صحيفة (الأيام) التي نعمل بها لتغطية الإستقبال والمباحثات التي يجريها مع رئيس المجلس العسكري الانتقالي- وقتها- المشير عبدالرحمن محمد حسن سوار الذهب رحمه الله ، وكان من ضمن مرافقي الرئيس مبارك في تلك الزيارة الفريق كمال حسن علي الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية وقتها.
*السودانُ كان آمناً، ولم تكن الإجراءات الأمنية بذات التشديد والصرامة الحالية ، خاصة بالنسبة لنا نحن معشر الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام، وقد سألت الوزير المصري عدة أسئلة أجاب عليها بلا تحفظ ، ثم اتجهت وزميلي (النحاس) نحو الرئيس مبارك، الذي استقبلنا ببشاشة سرعان ما إنقلبت غضباً نارياً عندما سأله الأستاذ النحاس عن إمكانية تسليم (النظام المصري) للرئيس نميري لمحاكمته في السودان.
*والله.. لقد تبدّلت سحنة الرئيس مبارك وتهدج صوته ، وقال بغضبٍ شديد، موجهاً حديثه لكلينا- أنا والنحاس- بأنه لن يسمح لأي شخص مهما كان أن يقول (النظام المصري) لأن مصر، دولة الرئاسة فيها ليست مختطفة .. وحديث غاضب جعل أحد كبار المستقبلين يأتي إلينا ويطلب منا بأدب وهدوء أن نبتعد عن دائرة الرئيس
كان ذلك عقب نجاح إنتفاضة أبريل 1985 وكنا مثل شباب اليوم ثائرين نمتليء حماسة وثورة ، لكنني كنتُ قد شاهدتُ الرئيس مبارك عن قرب أكثر من مرة قبل ذلك التاريخ ، من أهمها ترؤسه والرئيس الراحل جعفر نميري إجتماعات برلمان وادي النيل الذي كان صديقنا وزميلنا الأستاذ صلاح عمر الشيخ عضواً فاعلاً فيه وممثلاً للشباب ، وقد كنتُ آنذاك محرراً برلمانياً أغطي أعمال مجلس الشعب لصالح صحيفة (الأيام) وشهدت أحد أهم إجتماعات برلمان وادي النيل في مدينة العريش المصرية ، وهي عاصمة شمال سيناء ، عقب الجلاء الإسرائيلي عنها في أبريل 1982م ، إذ إنعقدت فيها إحدى جلسات برلمان وادي النيل في أكتوبر من ذات العام ، وكان محافظ شمال سيناء آنذاك أحد أبطال حرب أكتوبر 1973م وهو اللواء منير شاش.
*رحم الله فقيدنا الراحل عبدالرحمن حسن ورحم الرئيس محمد حسني مبارك رحمة واسعة ورحم موتانا وموتى المسلمين أجمعين.