قهوة بمذاق آخر (الحلقة الخامسة)
_________________________
_________________________
_________________________
_________________________
_________________________
في حلقات أسبوعية كل سبت (تفاصيل) تواصل نشر رواية (قهوة بمذاق آخر) ..
تأليف: عمر أحمد المصطفى حياتي.
الناشر: دار آريثيريا للنشر والتوزيع – الخرطوم – السودان..
الحلقة (5)
قطع حبل خياله الخصب قرع خفيف على باب مكتبه، أضاء الضوء الأخضر معلنا السماح لطارق باب بالدخول.
صباح الخير أستاذ تاج.
رد بلهفة وابتسامة عريضة وشوق أبانته حدقات عينيه.
صباح النور والسرور، أهلا، أهلا عزة.
وانتصب واقفا كجندي يعتزم تحية قائده، باسطا يده لمصافحتها، هز يدها بحرارة وخطا خطوات معها نحو طاولة الاجتماعات، هاله عطر خفيف ينساب منها ويسري في جسده مسرى الروح.
تفضلي اجلسي، مالك تأخرت اليوم؟، افتقدتك والله، لما ما جيتي في ترحيل الشركة، جيتي بالمواصلات ولى شنو؟
أبدا والله، أمي أصبحت تعبانة شوية، ضغطها ارتفع شديد والله يا استاذ، طبعا أنت عارف مشاكلها مع الشريان الأورطي، لكن الحمد لله الدكتور طمئنا عليها، هسي خليت معاها علا أختي.
ألف سلامة ليها، ما تكون أغمي عليها زي المرة الفاتت؟
لا الحمد لله، بس قالت بتجيها دوخة مرة مرة كده.
ما كان تجي أبدا والله يا عزة، وخاصة أنو
قاطعته وهي تفرك في أصابع يدها برفق:
صراحة فكرت أضرب ليك تلفون وأعتذر، لكن إتذكرت أنو عندك اجتماع مع المستثمر الخليجي الكلمك عنه زاهر عابدين قبل يومين.
أصابه عدم تركيز حين ذكرت اسم زاهر عابدين، ويغيظه حرف السين الذي يلازم مخرج حرف الزاي عندها فتنطق زاهر “ساهر” بدلع غير متعمد، يغار من زاهر فقط عندما تذكر اسمه، وهو يعلم أنه عمل جاهدا ليصرف تفكيرها عنه ويبعده أيضا عنها بأساليب يعلمها جيدا، كما أنه متأكد من أنها غضت الطرف عنه ولا تربطه بها أي علاقة، ولكنها الغيرة، فزاهر يصغره بخمس سنوات، شاب ثري وسيم قسيم لبق محبوب بين معارفه وأصدقائه. رد كأنه يهزي:
أيوااا.. منو؟، وين؟
ألقت نظره خاطفة على عينيه اللتين كانتا تحمل أبعادا هي أدرى بمعانيها، إذ إنها تعلم تماما أن سيرة زاهر من قريب أو بعيد، صراحة كانت أو تلميحا تقلب كيانه، ينفعل بسرعة، يتلجلج، وتتشتت أفكاره، وقالت:
يا تاج.
ثم استدركت أنها ذكرت اسمه مجردا من لقب، وأردفت تعالج الهفوة:
ركز معاي شوية يا أستاذ، ما قال ليك الراجل ده ممتاز وبتعامل مع فتحي بتاع برج البركة.
أحس براحة نفسية وقربها منه عندما سمع اسمه مجردا دون أن يسبقه لقب أستاذ وقال في رضا وبصوت خفيض:
ضروري يا أستاذ دي مسموح ليك يا ستي تقولي: التاج، تاج، تُجة، كلو عادي، بس ما توصلي مرحلة تجتوج دي. ثم ضحك نصف ضحكة تمنى لو شاركته فيها، ولكن دون جدوى، وأضاف:
متذكر، متذكر، كيف ياخ.
طبعا الملف بتاعو معاي في الدرج، والمفتاح معاي، يعني يا أستاذ بس وريني كنت حا تتصرف كيف؟
قال مبتسما، عملتي كويس، عملتي كويس يا عزة، حتى في أحلك الظروف مواقفك دائما مشرفة.
وتملى في عينيها فإذا هما مملؤتان رضا بما أطرى، ورغم سحرهما تغشاهما سحابة حزن على حال والدتها، قال جابرا لخاطرها:
أنا مع الدوشة دي، وأنت ما في، ما كان حا أعرف حاجة عن جدول أعمال اليوم، وكان على صاحبتك نوال دي، غايتو منه العوض وعليه العوض، جبناها ليك فزع بقت وجع.
ملئت قلبها سعادة، حرصت ألا تبديها تبسما، لعدم رضاه عن مساعدتها نوال. ونوال من جانبها لا تخفي غيرتها لإيلاء التاج كل اهتمامه لعزة، ولا يزيد نوال سوى سلام أو ابتسامات صفراء إن كان مزاجه معتدلا.. ابتسامات باهته يوزعها المدراء تطبيقا لمخرجات دورات تلقوها في التنمية البشرية.
لمح التاج باقة الورد القريبة منه، وتلمس بعض ورودها الطبيعية، وقال مستدركا:
بالمناسبة عندك ذوق رهيب، واختياراتك في كل شيء بتشبهك، قالوا جمال الورد من جمال الروح.
جنحت بخيالها بعيدا، تمالكت نفسها ما استطاعت، رغم الزهو الذي ملأها في لمحة بصر، ولم تصدق أذناها ما سمعت من شخص لا يبدو ما في قلبه على وجهه، غمغمت دون أن تنظر إليه.
من ذوقك يا أستاذ.
حول مجرى الحديث بعد أن وجد نفسه في نفق ضيق ما اعتاد السير فيه، وقال:
طيب، أنا افتكر أنك ترجعي للوالدة، إمكن تكون محتاجة ليك في حاجة، علا أختك لسه صغيرة، كدي لو سمحت أديني الملف اراجعه قبل ما تمشي وقبل ما يجي الراجل ده.
اكيد، عن إذنك.
قامت برشاقة وخفة غزال نافر، نظر إليها باستحياء عندما استدارت وخطت خطوات نحو باب مكتبه كأنها ملاك يطير بجناحين، خفق قلبه وتمتم فؤاده “يا أرض أحفظي ما عليك”. وفي دقائق قليلة عادت حاملة ملفا أزرق وسلمته إيّاه، وظلت واقفة كأنها تستعد للخروج.
شكرا، قلت لي اسمه منو؟ ومواعيده الساعة كم؟
اسمه شيخ خالد، خالد العامري، ومواعيده الساعة حداشر ونص.
ده بتاع حليب الفورموست؟
ايوه، هو ذاته يا أستاذ.
تمام، يلا حصلي الوالدة، أكيد وقفتك جنبها بتريحها.
وهاتف بداخله يقول: والتاج زاااتو وقفتك جنبو بتريحو والله “، ثم تشجع وأضاف:
وأفيدينا وطمئنينا عن حالتها، ربنا يواليها بالعافية، وختم حديثه متقربا” طبعا الشركة بدونك ما عندها طعم.
طأطأت راسها خجلة، واحمرت وجنتاها، وطيف ابتسامة خفيفة رسمتها شفتاها فاضحة فرحة بداخلها ما استطاعت كتمانها، وقالت بدلال:
تسسسلم.
ومدت وشددت بغلظه حرف السين، واردفت برقة:
يلا باي.
ثم أضافت وهي ممسكة بمقبض باب مكتبه ورفعت صوتها لتسمع نوال في مكتب السكرتارية الملاصق لمكتبه، لتغيظها من ناحية وتؤكد وصايتها الإدارية عليها من أخرى.
حا أشرح لنوال تسوي شنو لما يجي الوفد.
تمام تمام، ربنا يطمئنك على الوالدة، ما تنسي طمئنينا عليها.
حاضر، إن شاء الله.
تفحص ملف الشركة:
الرقم الموحد للمنشأة: أعمال حرة – 200377388390
الاسم التجاري للشركة: شركة القور للأعمال التجارية.
تاريخ التسجيل: ٢٦ فبراير ٢٠٠١
المقر: دبي.
رأس المال: 19000000 درهم
المالك: خالد حبار العامري.
مجال العمل: استيراد وتصدير.
تفحص عدة عمليات قامت بها الشركة لتصدير مواد غذائية للسودان، معاملاتها التجارية مع شركات أخرى وبنوك عالمية ومحلية، سجل تحويلات مالية، بواليص شحن …. إلخ، حدد وفقا لذلك، مدى مصداقية الشركة.
اتصل على عملاء شركات من معارفه ويثق في مصداقيتهم سائلا عن مالك ومدير شركة القور خالد العامري، مصداقيته، طريقة معاملاته التجارية، مرونته في التعاملات المالية، وأمد شيكات البيع والسداد، سرعته وانضباطه في استيراد البضائع، تسليم الشحنات في الوقت المتفق عليه، ومكان تسليم الشحنات بميناء بورتسودان أم الخرطوم؟ إجراءات التخليص الجمركي؟ سأل عن كل ما يتصل باستيراد وتصدير المواد الغذائية.
ألو..
مرحبا عزة.. بالسرعة دي وصلت البيت؟، كيف الوالدة؟
وصلت قبل شوية، الشوارع زي المواعيد دي فاضية والحركة هادئة وأنت عارف سواقة حازم، أبوسريع، وأضافت: أمي تماااام والله، هسي نائمة، اتصلت عليك عدة مرات، لكن الخط بيدي مشغول.
صحيح، كنت بجمع في معلومات عن شغل الراجل ده من فتحي وزاهر عابدين وغيرهم، وحاولت،
قاطعته بضحكة مبتورة وقالت:
بالمناسبة أنا اتصلت مخصوص عشان أقول ليك أنا عملت تقرير كامل عن شركة القور الإماراتية، تلقاه في الأوراق الأخيرة من الملف، عارفاك باستعجالك مرات ما بتراجع الملف كله.
معقول.
قلب أوراق الملف بسرعة ورد متعجبا:
سبحان الله.. صحيح، هذا هو، عليه لاصق أصفر.. مش كده؟
ايواااااا بس ياهو ده.
الله يريح قلبك، بالله الواحد ضيع ساعة كاملة في اتصالات يفتش لي حاجة هي قدامو.
صمتت قليلا وهاتف في دواخلها يقول: القدامك أكبر، ولكن وين البصيرة البتشوف، ثم ردت:
واجبي يا أستاذ
ما عدمناك.
طيب، الزول ده نص ساعة كده وبجيك.
لو في أي حاجة عليك الله أضرب لي طوالي.
يديك العافية ياعزة، ما بتقصري.
الله يخليييييك.
نواصل..