
مثيولوجيا العشق و مدارج الشوق تأملات حول نص قصيدة “حروف اسمك” للشاعر السوداني هاشم صديق 3/3
تلاوين
عبد اللطيف مجتبى
_________________________
_________________________
_________________________
ديبادجة :
رحلة البحث عن معنى عالق بشغاف القلب لكائن يحلق بعيدا في سموات الشوق الرحيبة، كم هي مهمة عصية يتكبد لها الشاعر – سالكا مهامه الكتابة – ضروبا غير معهودة في محاولة غير مأمونة العواقب أملا في بلوغ معنى يطفئ جذوة الأسئلة المتقدة النابعة من مصهر مواجد العشق.
سلك هاشم صديق هذا الطريق محاولا قطع المسافة الشائكة بينه – كذات شاعرة – وبين ذلك الشوق المتأجج بوصفه ذاتا عاشقة، ومن خلال هذه الرحلة ساح بنا من خلال نص قصيدة “حروف اسمك”، تلك القصيدة التي كساها الموسيقار محمد الأمين حُلة زاهية حالت دون تفرُّس ملامحها كنص شعري آسر، له مفاتنه وعوالمه المدهشة، بعيدا عن حالة كونه جزءا من أغنية تغازل المشاعر وتدخلها في حالة من الطرب والانفلات الشعوري، وعدم التمييز بين جماليات النص وجماليات اللحن والأداء.
تناولنا في الجزئين السابقين الملامح العامة للنص موضوع هذه التأملات وقد تم تقسيم النص إلى أربعة مقاطع وفقا لطبيعة النص، وذلك لأغراض التحليل. وتمت تسميتها بالمدراج نسبة للانتقالات التي حدثت في النص باعتبار أن الثلاثة مقاطع الأولى قدم فيها الشاعر لوحات وصفية لحروف اسم تلك الحبيبة التي حاول فيها تعريف وتفسير تلك الحروف في قوالب أشبه بصناعة الأسطورة ؛ ومن هنا جاءت تسمية هذه القراءة أو التأملات بالمثيولوجيا ونواصل في هذا الجزء الثالث والأخير من هذه الرحلة المتأملة في أحد النصوص الشعرية ذات القيمة الجمالية والفنية العالية المختبئة خلف دثار الحالة الغنائية الآسرة التي حجبت عنا مفاتن النص الخاصة فإلى الجزء الثالث :
العلاقات الشعرية :
وبالعودة لتلك المقاطع والتي أطلقنا عليها مصطلح مدارج ، فقد استطاع فيها الشاعر أن يؤسس إلى منظومة علامية ظلت تعبر عن أكوان وعوالم موازية أو مكافئة دلالياً لتلك الحروف، في فضاء اسطوري حافل بالعجائب فهي حيناً مبعث للفأل الحسن و الجمال وهي نفسها نجوم كالعصافير تحط على زهر الياسمين ،ووردة تطل من سور في حديقة في الخيال، ونغمة سعيدة من آلة الطمبور وكذلك هي شعلة فرحة وهي في نفسها تتراقص جذلى . كلها حكايا وسرديات تضمنت علاقات شعرية و عوالم من المثيولوجيا أشبه في تكوينها بالأحلام التي تحتاج إلى تعبير وتفسير لتلك الرؤى العاشقة .
ومن هنا يمكن القول بأن نص قصيدة “حروف اسمك” جاء مفعماً بالجمال والصور الفنية والجمالية العالية فقد قدم لنا في مطلع النص مشاهد تجسد حالة من المشاعر و الجمال المحض: ( جمال الفال وراحة البال) في محاولة لوصف تلك الحروف المحسوسة والمسموعة والمرئية بصور مجردة فترى ما العلاقة بين راحة البال و تلك الحروف؟ غير تلك الطاقة الإحالية النابعة من تلك المعاني التي يشعر ويحس بها الشاعر من وقع تلك الحروف على نفسه .
كما أننا نجد أنه أحياناً ينزع نحو التجريد ويقدم لنا صورا في غاية التعقيد والجمال في أحد تعريفاته الأسطورية : ( نجوم ركت على الياسمين ) لوحة مفعمة بالجمال و الألق والعطر فكم هوَّم بنا بعيدا بهذا الوصف الذي جعل من النجوم طيورا تحط على تلك الزهرة العبقة الرقيقة الحيية في إشارة للتألق والجمال الفواح عطرا وحياءاً، وفي ذات المنحي التجريدي حملنا بأجنحة الخيال موغلاً في أسطرة حروف اسم الحبيبة بوصفها (عقد منضوم بخيط النور) ترى كيف يكون جمال تلك الحروف التي تشبه ذلك العقد المنظوم بخيط النور فهنا موطن آخر من فضاءات النص الأسطورية والشعرية العالية.
ظلت هذه النزعات الجمالية تشكل تياراً جمالياً جارفاً يأخذنا إلى أحوال من التذوق تجعل هذا النص الصغير بمكوناته الأربعة أشبه بتلك “السونيتات” التي كتبها وليام شكسبير أو تلك النصوص الشعرية اليابانية القصيرة المعروفة “بالهايكو” ذلك نسبة لأن كل مقطع يتمتع باستقلالية ويشكل وحدة جمالية قائمة بذاتها لا يربط بينها سوى تلك العبارة الاستهلالية في كل مقطع : “حروف اسمك” .
و يمثل كل ذلك – على ما يبدو وكما تم ذكره من قبل – محاولات لمحاصرة تلك المعاني المُعْتمِلة في ذات الشاعر العاشقة وسباقاً محموماً بين ما يقرُّ في النفس من معاني ومواجد تقض مضجعه وبين ما جادت به قريحته كشاعر من مكافِئات ومعاني تشهد حالة من التوازي فيما بينها كعوالم تُعبّر بالتساوي عن تلك الحروف؛ مما يشير إلى أن كل ما أنجز من علامات مكافئة تدل على نفس المقصود الذي يرن صداه في صالات الروح الدنفة ، ويصِلُّ كمياه متحدرة من بين صخور الصروف و المواجد، وأمنيات الوصل بصاحبة ذلك الاسم التي تلألأت بحضورها الأثيري في فضاء النص وتلاعبت حروفها بالخواطر وألهبت مشاعر العشاق بتلك الحروف الحاضرة بكثافة والمبعثرة كمعاني متناثرة بين المقاطع والغائبة في آن.
على الرغم من أن العالم السويسري فردنان دي سوسير قد حسم موضوع العلاقة بين الدال والمدلول وقال باعتباطية العلاقة بينهما وكانت آنئذ نقلة مفاهيمية كبيرة إلا أن هاشم صديق قد جعل من تلك الحروف عوالم مشيرة ومفسرة ودالة على المسمَّى؛ ولم تكن العلاقة ذات طابع اعتباطي لاختلاف المنطلقات بينهما فحالة العشق جعلت من حروف اسم الحبيبة كل تلك العوالم والأساطير التي نفت بأمر الشعر تلك العلاقة الاعتباطية التي حددها سوسير و لوفيفر وغيرهما .
من مكامن فتنة نص قصيدة “حروف اسمك” أنه لم يكن معنياً بطرح أسئلة متعلقة بحالة العشق وحُمّاها ومواجدها وأوجاعها، أو جمال المحبوبة وتفاصيلها بقدر ما كان مشغولا بإنجاز أجوبته الخاصة التي لم ينتحِ فيها أي مناحٍ حوارية أو تمثُّل لسيدة تلك الحروف الكونية التي حلّقت بنا عبر نص هذه القصيدة في عوالم رحبة و متنوعة و حبلى بملامح حياتية و جمالية و صور تجريدية اجمتعت كلها معا لتشكل لنا لوحة ذات ألوان وطعم ورائحة و عاطفة جياشة . مما جعل من هذا النص نصا حداثيا نزع فيه الشاعر إلى التفرد باحثاً عن لذة الاختلاف .
وختاماً أرجو أن أكون قد قدمت نوعا من الإضاءة حول هذه التجربة الفنية التي اعتبر أنها تستحق أكثر من ذلك شاكر لكم متابعتكم وتعليقاتكم التي كان لها وقعها على نفسي . إلى الملتقى بعد عيد الَحى المبارك أعاده الله علينا جميعا بالأمن والأمان والاستقرار والنصر المؤزر.