آخر الأخبار

أسباب رداءة الطرق في السودان (2-2)

  • الفساد في عطاءات تشييد الطرق سبب رئيسي لإنهيار الطرق بالبلاد
  • السودان يتزيل التصنيف العالمي لأسوأ الطرق في العالم
  • مخالفات تصميمية تسببت في إنهيار طريق شريان الشمال
  • ثلث سكان البلاد لا يحظون بطرق قومية وداخلية

مهندس وخبير تركي في تشييد الطرق أنجز معظم طرق مدينة إستنبول التركية إنتهزت فرصة زيارته للسودان وأجريت معه حوارا مطولا عن صناعة الطرق نشر بصحيفة (الراي العام) السودانية قبل سنوات.. كان سؤالي الأول له: ما رأيك في شوارع العاصمة الخرطوم؟.. أجاب بسخرية مهذبة لكنها موجعة:” هو إنتو عندكم شوارع”.. ومن خلال سياق الحوار شرح لي أسباب رداءة الطرق بالعاصمة الخرطوم وإمتلائها بالحفر وتفتتها وتصدعها رغم عمرها القصير مشيرا ان إستخدام الخرصانه الحمراء الملساء سبب رئيسي لذلك.. (أصداء سودانية) تحصلت على معلومات غاية في الأهمية وتكشف من خلال هذا التحقيق الصحفي الأسباب الحقيقية لظاهرة رداءة الطرق القومية والداخلية في السودان
طريق بارا:


في خريف عام 1919 كنت برفقة الزميل، عبد السلام عوض، الصحفي وقتها بإدارة الإعلام بسد مروي متوجهين بعربة خاصة في طريقنا للأبيض عبر طريق بارا، ففوجئنا بإنقطاع الطريق بسبب سيل جارف أطاح بالطريق الأسفلتي وجعله معلقا في الهواء بينما مياه السيل تتدفق أسفله بقوة جارفة.. أحد سكان المنطقة قال لي: عند بداية إنشاء الطريق لاحظت ان المهندسين شرعوا في إقامة أنابيب بلاستيكية بقطر محدود في طريق سيل مشهور بالمنطقة فنصحتهم أن السيل سوف يطيح بها ويقذفها بعيدا لعدة كيلومترات، والأفضل بناء فتحات أسمنتية واسعة بدلا من الأنابيب، لكنهم لم يكترثوا لنصيحتي.. وفعلا حدث ما حذرتهم منه، فقد جاء السيل الهادر وأطاح بالأنابيب البلاستيكية بعيدا مما تسبب في إنقطاع الطريق لعدة أيام حتى تم عمل تحويلة ولاحقا تمت معالجته بفتحات أسمنتية لتمرير مياه السيل حسب نصحي لهم.
كلام ذلك المواطن البدوي البسيط من سكان تلك المنطقة التي شهدت إنقطاع طريق بارا، (مهندس طرق بالفطرة)، يدل ان صناعة الطرق ليست طريقا يشق في أي مكان بل هي علم يراعي الجوانب الطبوغرافية والبيئية.
فالمفهوم الحديث لهندسة الطرق يعرف بأنه ذلك العلم الهندسي الذي يهتم بدراسة وتصميم أفضل الوسائل المستخدمة في إنشاء وتجهيز الطرق بكافة أنواعها، والتي تعتمد على التخطيط الجيد للطرق من حيث التصميم والصيانة وجلب أفضل الخبرات الهندسية المتوفرة بالشركات الهندسية المتخصصة في الأعمال الهندسية والإنشائية المرتبطة بهندسة الطرق والجسور.. كما يجب الإهتمام بدراسة التأثيرات البيئية المترتبة على إنشاء الطريق في منطقة ما، ويعد ذلك أحد معايير جودة إنشاء الطرق عند وضع المخططات الهندسية للطرق، مثل الأخذ في الإعتبار المناطق الزراعية، وأراضي المياه الجوفية، ومجاري السيول الطبيعية والمرتفعات والجبال وغيرها من الظواهر الطبيعية في الأرض والتي تسمى: (معابر درجة الأمان).. التعريفات السابقة تعد أول درس يتلقاه طلاب الهندسة عند دراستهم للطرق.
لا طرق ..لا تنمية:
كما يقولون: (لا بديل للسكة حديد إلا السكة حديد)، فإنه, لا تنمية بدون طرق برية مؤهلة, هكذا إبتدر أحد مهندسي الطرق بالسودان ــ فضل حجب إسمه ــ حديثه معي حول حالة الطرق القومية السودانية، وأضاف
الطرق القائمة الان لدينا في السودان سيئة سريعة الإنهيار والتآكل لعيوب تصميمية في بنيتها التحتية، كما ان قلتها تمثل عائقا كبيرا امام النموء الإقتصادي والتنمية في السودان.. فثلث سكان البلاد لا يتمتعون بطرق حديثة، برية او داخلية تمر بمدنهم ومناطقهم.. فالطرق البرية او القومية تعد من أهم متطلبات النشاط الإقتصادي للدول، وسهولة التنقل تعد شرطا أساسيا لتحقيق التنمية، فلدينا في السودان ما لا يقل عن 80 في المائة من السلع تنقل عبر الطرق القومية الرابطة بين الولايات رغم رداءاتها.. وهناك إرتباط بين الدول المتأخرة تنمويا وبين سوء طرقها
وللأسف، آخر تقرير للمنتدى العالمي الإقتصادي بخصوص جودة الطرق بدول العالم المختلفة صنف الإمارات بأنها تتصدر الترتيب العالمي لأفضل الطرق في العالم، تأتي بعدها سنغافورة، ثم سويسرا، بينما جاءت المملكة المغربية في المرتبة 43 خلف الصين التي تحتل المركز 42.. وفي افريقيا صنفت ناميبيا الأولى على مستوى القارة الافريقية وفي المرتبة 31 عالميا.. تليها رواندا في المرتبة 32 عالميا.. وجنوب افريقيا الخامسة افريقيا ورقم 50 عالميا.. ومصر في المرتبة 75 عالميا.. وللأسف لم تأتي ولو إشارة عابرة لتصنيف الطرق في السودان ضمن 137 دولة شملها التصنيف، أي أنها لاتخضع لمعايير التصنيف مما يعني أن الطرق لدينا في السودان سيئة لا ترقى حتى للتصنيف مع بقية الدول الأفريقية والعربية والعالمية
أسوأ الطرق :
الطرق القومية السريعة ــ لو صح التعبير ـ في السودان تفتقر لمعايير جودة المواصفات، كمثال طريق شريان الشمال والذي يعد أسوأ طريق بري بالبلاد رغم أهميته، حيث انه يربط بين الخرطوم وشمال السودان وجمهورية مصر العربية ويرتبط أيضا مع الطريق القومي الرابط بين الخرطوم وميناء بورتسودان، كما انه يقود لسد مروي.. أحد المهندسين شخص لي حالة هذا الطريق وأسباب الخراب الذي لحق به رغم عمره القصير نسبيا، بقوله
الحال السيئ الذي يعاني منه طريق شريان الشمال يعود لعيب في التصميم والسرعة في إنجازه ــ يقصد كلفتة العمل ــ حيث انه كان مرتبطا بتشييد سد مروي لنقل معدات وأجهزة ومواد السد، إلا أن القائمين على تشييده لم يراعو الحمولة الثقيلة الزائدة للناقلات والشاحنات الناقلة لمواد السد قبل تشييده، وتم تصميمه بمواصفات الطرق العادية داخل المدن ولذلك إنهار في زمن قياسي وأصبحت تغطيه الحفر والتشققات والأخاديد وتآكلت حوافه.. كما ان تصميمه لم يراعي الزحف الصحرواي ببعض الأجزاء التي يجتازها الطريق حيث تغطيه الرمال أحيانا مما تسبب في العديد من الحوادث.. كما ان الطريق يفتقد للإنارة والأرصفة على جانبيه، والإشارات التي تحدد المسارات، وهي مخالفات واضحة لقانون الهيئة القومية للطرق والجسور الصادرعام 1997 بعد إلغاء أمر تأسيس المؤسسة العامة للطرق والكباري عام 1983
أخيرا:


معطيات التحقيق وتفاعل آراء خبراء الطرق التي وردت في سياق التحقيق الصحفي تؤكد ما ذهبنا إليه من إنهيار معظم طرقنا القومية وجميع الطرق داخل مدن البلاد المختلفة خاصة شوارع العاصمة الخرطوم.. بجانب الأسباب التي أفادنا بها المهندسين المختصين، نضيف إليها من جانبنا تعدد القوانين وتبدلها بإستمرار، والكسب السياسي الذي أصبح من سمات بعض السياسين لإرضاء منسوبيهم ببعض مناطق البلاد على حساب المواصفات القياسية للطرق في الحقب السياسية السابقة، والتي تعد من أهم أسباب (كلفتة) بعض الطرق سواء الداخلية او القومية،على حساب التخطيط السليم لإنشاء البنية التحتية لها.
كما ان هناك ضبابية تحجب الرؤية للعلاقة بين القطاعين الحكومي والخاص، والأخير يمثله إتحاد أصحاب العمل وغرفة النقل، فإتحاد أصحاب العمل ممثلة في غرفة النقل يقوم بنقل 95 في المائة من البضائع والمواد البترولية، و98 في المائة من الركاب دون تكليف الدولة أي أعباء مالية.. ويعتبر القطاع الخاص العامل في النقل هو المشغل الرئيسي لقطاع النقل البري بالبلاد ولذلك يجب إشراكه ومساهمته في إنشاء الطرق القومية الجيدة المطابقة لمواصفات الطرق العالمية بدلا من طرقنا الحالية المنهارة كليا.. ونعلم ان الدولة تخطط حاليا لما بعد الحرب، ولذلك يجب ان تكون الطرق القومية الرابطة بين الولايات من أولويات الخطط المزمع تنفيذها بعد أن تضع الحرب أوزارها، مع التنبيه لضرورة إختيار الشركات الهندسية المتخصصة في إنشاء الطرق والتي تمتلك تكنلوجيا وأجهزة حديثة وكوادر هندسية وفنية ذات كفاءة عالية متمرسة، مع الأخذ في الإعتبار تلافي المحاباة، بل (الفساد)، الذي يصاحب عطاءات تشييد الطرق القومية وتلك التي داخل المدن.