أصداء سودانية داخل المستعمرات العشوائية بولاية الخرطوم (1)
- عصابة تسعة طويلة تغتال طالب هندسة يدرس بجامعة كامبردج بلندن
- سر المحادثة الهاتفية المجهولة التي قادتني لأخطر بؤرة إجرامية بالعاصمة
- إمراء جنوبية مخمورة تطاردني بساطور داخل غابة السنط بالخرطوم
تحقيق ــ التاج عثمان:
سبق ان حذرت مرارا وتكرارا عبر تحقيقات صحفية قبل حرب الخرطوم من خطورة إنتشار المستعمرات العشوائية التي أصبحت تحيط وتحاصر العاصمة القومية من كل الجهات وخطورتها المتناهية على الأمن المجتمعي وسلامة المواطنين.. وبعد إندلاع حرب الخرطوم إتضح صدق ما أشرت إليه إذ إنضم معظم شباب تلك العشوائيات للقتال في صفوف المليشيا ومن لم يفعل قاموا بنهب منازل المواطنين والمصانع بالمنطقة الصناعية ببحري خاصة مطاحن الدقيق (سيقا) و(ويتا) والمصانع الغذائية ومصانع الثلاجات وغيرها.. وحسنا فعلت ولاية الخرطوم ممثلة في جهاز حماية الأراضي بقرارها الخاص بإزالة كل العشوائيات او المساكن العشوائية التي تحيط بالعاصمة.. التحقيق التالي يناقش قضية العشوائيات التي أحاطت بالعاصمة القومية إحاطة السوار بالمعصم من كافة أطرافها وأبعادها.
المحادثة المجهولة:
معلومة مقتضبة وصلتني من قارئ مجهول أثناء عملي بصحيفة (الرأي العام)، قال فيها: ” أتابع بإهتمام كل تحقيقاتك الصحفية أناشدك التوجه لغابة السنط بالخرطوم وهناك ستجد عناصر وأركان خطيرة متوفرة امامك لإجراء تحقيق صحفي تخدم به كل سكان العاصمة حيث أصبحت غابة السنط منصة لإطلاق الجرائم وإنطلاق المجرمين التي يكتوي بنيرانها سكان العاصمة خاصة المناطق المحيطة بها.. وأنصحك يا أستاذ توخي الحيطة والحذر لأنني أعلم ان الداخل لمستعمرة السكن العشوائي بغابة السنط (مفقود) والخارج منها (مولود)، لأنك لو وافقت وتوجهت للغابة، فسوف تتعامل مع مجرمين شرسين في غاية الإجرام والخطورة فخذ حذرك.. ولو توجهت لها سوف تجد داخلها وسط أشجار الغابة مستعمرة عشوائية بيضاء مشيدة من جوالات البلاستيك البيضاء غالبا ولذلك يطغى عليها اللون الأبيض.. الغابة تحولت لبؤرة إجرامية خطيرة، لصوص، رباطين، مروجو خمور بلدية، مخدرات، دعارة، أي انها أصبحت وكرا كبيرا وخطيرا للجريمة والمجرمين خاصة عصابات تسعة طويلة .
حقيقة كانت تلك المحادثة المجهولة فاتحة شهية لي لإجراء سلسلة تحقيقات صحفية عن السكن العشوائي الذي كان يحيط ويحاصر العاصمة القومية من كل الجبهات، وتحول بمثابة منصات تنطلق منها موجات من الإجرام الشرس الذي لم تعهده العاصمة قبل ظهور هذه العشوائيات وتمددها السرطاني في جسد الولاية.. قررت خوض المغامرة اولا بغابة السنط لكشف ما يدور داخلها رغم تحذيرات صاحب المكالمة الهاتفية المجهول، وزملائي بالصحيفة الذين نبهوني بأنني ساتوجه لحتفي طائعا مختارا، إلا أنني أصريت على أداء مهمتي الصحفية رغم ان المصور الصحفي (يحي شالكا) الذي كان يفترض ان يرافقني للتصوير (زاغ) في آخر لحظة ويبدو انه قد إعتراه نوع من التخوف، وله حق فعذرته وتوكلت على الله وتوجهت لوحدي
غابة السنط:

غابة السنط أخطر بؤرة إجرامية وقتها بالعاصمة القومية.. معلوم انها تقع على طريق الغابة الذي يقودك إلى غرب المنطقة الصناعية الخرطوم ومنها لمنطقة الكلاكلات مرورا بمقابر بالرميلة.. يفصل بين غابة السنط وشارع الغابة ترس ترابي مرتفع لصد النيل الأبيص عندما يكشر عن أمواجه متمردا خارج مجراه ليغمر المناطق والأحياء على ضفتيه.. ركنت سيارتي بجانب الترس الترابي غرب طريق الغابة الأسفلتي، ثم صعدت فوقه فظهر لي مشهد غير مألوف لا يشاهده العابرون لشارع الغابة لان الترس يحجب عنهم ما يوجد ويدور داخل تلك الغابة الشوكية والتي تعد محمية عالمية لكونها معلما وإستراحة للطيور المهاجرة من اوربا في فصل الشتاء للبلدان الدافئة الأخرى.. حقيقة هالني ما رأيت.. الغابة الخضراء تتخللها مئات العشش البيضاء عبارة عن مستعمرة عشوائية من جوالات البلاستيك البيضاء موزعة بعشوائية بين الأشجار.. تسللت بخفة قط ولم أشاهد أي شخص امامي فإنتهزت فرصة عدم وجود أي شخص من سكان المستعمرة ووقفت أعلى الترس الترابي وإلتقطت بسرعة بكاميرا الموبايل عدد من اللقطات للمستعمرة العشوائية، ثم نزلت من الترس لأطراف المستعمرة، فترأت لي صبية صغيرة السن تحمل شقيقتها الصغري يجلسان امام كوخهما يلهوان سويا، توجهت ناحيتها وبعد السلام سألتها: أين أهلك؟.. اجابت بعربية مكسرة غير مفهومة أحيانا: (ذهبت لطرف الغابة).. قلت لها: أنتم من الجنوب؟.. أجابت بإيماءة من رأسها، نحن من واو جاء والدي للعمل بالخرطوم.. وعندما شرعت في تجهيز كاميرا الهاتف لإلتقاط صورة لها فوجئت بوالدتها تركض نحوي حاملة بيدها اليمنى ساطورا كبيرا أكبر حجما من تلك السواطير التي تستخدمها عصابات تسعة طويلة في ترويع ونهب وقتل المواطنين، وكانت مخمورة تفوح منها رائحة الخمر البلدي (العرقي).. وكانت تتحدث بالرطانة والتي لم أفهم منها شيئا سوى أنها عبارات تهديد، فقمت حقيقة بالركض ناحية الترس فأخذت تصرخ وقبل بلوغي الترس الترابي إلتفت إلى الخلف فشاهدت أكثر من 10 أشخاص يخرجون من عششهم على صوتها فطاردونني محاولين اللحاق بي، ولو نجحوا في ذلك لكنت الأن في عداد الموتي لا محالة.. نجحت بإعجوبة التخلص منهم وقمت بفتح العربة بسرعة وإنطلقت بها جنوبا بشارع الغابة، ورغما عن ذلك طاردونني بالحجارة ونجح أحدهم في تهشيم زجاج السيارة الخلفي لكنني نجوت من بطشهم.. وقمت بتجهيز التحقيق سريعا وتم نشره اليوم التالي مباشرة.. وحوالي العاشرة صباحا إتصل بي الشخص المجهول مشيرا انه طالع التحقيق الصحفي وشكرني على ما قمت بها وطلب مني التوجه سريعا للغابة لأشاهد ما أحدثه التحقيق.. وفعلا توجهت للغابة ووجدت أعدادا كبيرة من الشرطة وحماية الأراضي الحكومية ورجال المباحث، وجرافات، يقومون بإزالة المساكن العشوائية من داخل الغابة.. بعدها بعثت إدارة الإعلام بشرطة الولاية خطاب شكر وإشادة بالتحقيق الصحفي الذي لفت الإنتباه بالتفصيل الدقيق لما يدور داخل المستعمرات العشوائية بغابة الخرطوم التي كانت تعد أكبر مهدد أمني للعاصمة الخرطوم.. لكن للأسف عادت المستعمرة مرة ثانية، حتى تم إزالتها مؤخرا بعد تحرير الخرطوم.
مستعمرة العزبة:
بعدها توجهت لعشوائيات أخرى لا تقل خطورة عن مستعمرة غابة الخرطوم، ورصدت ما يحدث داخلها من إجرام.. وبعضها تحول لمصنع كبير للخمور البلدية وإغراق العاصمة بها، وتدميرهم لعقول الشباب بالمخدرات.. من أشهر وأخطر العشوائيات التي نبتت بالخرطوم بحري تلك التي كانت بمنطقة (العزبة) بشرق النيل والتي شكا منها سكان العزبة الأصليين وكثيرا ما نبهوا لخطورتها.. فقررت إجراء تحقيق صحفي داخلها رغم علمي بالمخاطر الأمنية التي ستواجهني هناك، خاصة بعد مقتل أحد أصدقائي، بعدة سنوات قليلة قبل حرب الخرطوم، وكان طالب نابغة أهله نبوغه الإلتحاق بكلية الهندسة بجامعة (كامبردج) ببريطانيا وحضر للسودان من لندن في إجازته الجامعية، إلا أنه تعرض لعصابة من عصابات تسعة طويلة التي كانت تتخذ من السكن العشوائي بالعزبة وكرا لها تنطلق منه لممارسة أعمالها الإجرامية، وكان قادما من زيارة أقربائه بالحي المتاخم للعزبة من الناحية الجنوبية، فإعترضوا طريقه وعندما حاولوا نهبه قاومهم فضربوه ونهبوا أمواله وهربوا وتركوه وسط بركة من الدماء ليعثر عليه بعض المارة جثة هامدة رحمة الله تغشاه.
المستعمرة العشوائية بمنطقة العزبة تعد من أخطر البؤر الإجرامية بالعاصمة، تعج بالمجرمين الخطرين واللصوص وأيضا مستودعا كبيرا للمسروقات، ووكر لصناعة وترويج الخمور والبنقو.. مساء كل يوم يخرج منها باعة العرقي لأحياء الخرطوم بحري القريبة من المنطقة، وكأنهم باعة لبن، ويقومون بتوصيل الخمر (دليفري) لزبائنهم من المدمنين داخل أكياس، حيث يقوم الزبائن بطلب كمية من الخمر ويصفون للمروج العنوان فيجلبها لهم بمنازلهم او في نقطة قريبة من المنازل.. بعضهم يأتي راجلا وبعضهم بالدراجات والمواتر.
شاهد عيان:
وأكثر المواطنين تضررا من المستعمرة العشوائية المحيطة بمنطقة العزبة هم سكان المنطقة الصناعية ومعظمهم من المهندسين والفنيين والعمال الذين يعملون ببعض المصانع ويسكنون داخل شقق بالمنطقة الصناعية.. فالسكن العشوائي هناك أصبح ملاذا لعصابات تسعة طويلة يقومون بإعتراض المواطنين حتى بالنهار ونهبهم.. وقد كنت شاهد عيان لحادثة مماثلة.. فبينما كنت قادما نهارا قبل صلاة الجمعة من مستشفى البراحة بعد أدائي واجب معاينة مريض هناك، سلكت طريق الإنقاذ، الذي تم أطلق عليه شارع (مطر)، وقبل بلوغي جامعة المشرق رن هاتفي فركنت السيارة بجانب الطريق وأخذت أتحدث مع أحد الأصدقاء، فجأة لمحت ثلاثة من الشباب من عصابات تسعة طويلة ينسلون من أحد أزقة المنطقة الصناعية يلاحقون شخص عمره فوق الأربعين يرتدي بنطلون وقميص، شاهدت أثنان منهم يقومان بضربه من الأمام فرفع يديه لحماية وجهه من الصفعات التي كان يتلقاها بينما شاهدت ثالثهم يقوم بالبحث في جيوبه الخلفيه وإستولى على الموبايل بعدها لاذ ثلاثتهم بالفرار ليختفوا ناحية إحدى العمارات المهجورة من الناحية الغربية للمنطقة الصناعية.. ولما شاهدت الرجل ملقيا على الأرض توجهت ناحيته لاحظت انه كان ينزف من أنفه فعرضت عليه نقله بسيارتي لمستشفى البراحة القريبة من هناك إلا أنه رفض وقال أنه بخير، وبحث في جيوبه فلم يجد الموبايل وحفنة من النقود.. علمت منه انه معلم كان في طريقه للمدرسة التي يعمل بها لحصص تقوية لطلاب الشهادة السودانية وبدلا من ذلك عاد لمسكنه بالمنطقة الصناعية مضرجا بالدماء ممزق الثياب