الجيش السوداني.. مائة عام من التحولات
- عرف السودان تكوين الجيوش منذ القرن الثامن قبل الميلاد
- تأسست أول نواة للجيش السوداني عام 1925
- بعد عام 1956 عندما نال السودان استقلاله عن التاج البريطاني كوّن جيشا وطنيا جديدا
تقرير – أصداء سودانية:
يمثل السودان جزءً من وادي النيل، ويعدُّ من أقدم مناطق التجمعات البشرية، حيث قامت فيه عبر تاريخه الطويل ممالك عظيمة، واصطرعت على أرضه قوى عديدة أثرت في تحديد مساره الحضاري والثقافي والسياسي والعسكري.
وقد عرف السودان تكوين الجيوش منذ القرن الثامن قبل الميلاد، حين قامت فيه الممالك والدول، كالمملكة الكوشية والمرَوية القديمة، التي ظهرت بين القرن الثامن قبل الميلاد والرابع الميلادي، ثم تلتها بعد ذلك الممالك المسيحية النوبية في المقرة ودنقلا، ما بين القرنين السادس والرابع عشر الميلادي.
ونتيجة لتدفق القبائل العربية منذ القرن الثالث عشر الميلادي ظهرت ممالك إسلامية في السودان، كسلطنة الفونج والعبدلاب والفور والمسبعات وتقلى الإسلامية، واعتمدت هذه الممالك والسلطنات على قوتها العسكرية في نشاطها وتكوينها وبقائها.
وكانت القوة العسكرية عماد تلك الممالك البائدة، وكان الجيش يعمل في بعضها وفق النظام الطوعي غير النظامي، حيث يتكوّن من أفراد متطوعين يتجمعون من القبائل المختلفة عندما تدعو الحاجة لذلك، ولم تكن تُعرَف آنذاك الجيوش النظامية الدائمة ولا المقاتلون المحترفون كما هو معروف حاليا في الدول الحديثة.
وكان التنظيم القتالي للجيش يتكون من الفرق، وكانت كل فرقة تمثل إحدى القبائل في المملكة، وكانت هذه الفرق مقسمة بحسب نوع السلاح المستعمل، فهنالك فِرق رماة الأقواس وفرق المشاة التي تنقسم إلى جماعة الرماح وجماعة الفؤوس وجماعة السيوف وجماعة المقاليع وجماعة الخناجر وجماعة الهراوات (العصي الغليظة)، وهناك فرق الفرسان.
وكانت تلك الجيوش تمتلك بعض الصنّاع والفنيين والحدادين والنجارين والبنائين الذين كانوا يقومون بالمهام الهندسية من بناء القلاع والحصون وبناء السفن والقوارب وعمل أدوات الحصار من أبراج وسلالم خشبية.
وشهدت مملكة الفونج الإسلامية، وتحديدا في عهد السلطان بادي أبو شلوخ إنشاء أول جيش نظامي ثابت ومحترف.
النشأة:

وخلال القرن الـ19 الميلادي، وبالضبط عام 1821 وهو الذي غزا فيه محمد علي باشا السودان، كانت القوات السودانية والقوات المصرية تأتمر سويا بإمرة محمد علي باشا، ومن بعده أولاده وأحفاده، لكن الاتهامات بسوء التدبير للسلطة القائمة آنذاك قادت في النهاية إلى الثورة المهدية التي أنهت حكم عهد محمد علي للسودان.
بانتصار الثورة المهدية عام 1881 دخل السودان في حقبة جديدة، وكان جيش المهدي يعكس التكوين القبلي في البلاد، وكان يتكون مما عرف بالرايات، واستفاد من استيعاب الأفراد الذين خدموا مع الزبير باشا ود رحمة، الذي كان تاجرا للرقيق في أواخر القرن التاسع عشر، وأصبح فيما بعد باشا وحاكما للسودان، وكذا بعض التجار الذين طردهم من الجنوب (غوردون باشا) -الحاكم الإنجليزي للخرطوم آنذاك- ولمع منهم قادة بارزون في حروب المهدية مثل حمدان أبو عنجة والزاكي طمل وآخرين.
وحسب معايير الجيوش الحديثة فقد تأسست أول نواة للجيش السوداني عام 1925، إبان فترة الاحتلال البريطاني لمصر والسودان، وكانت تسمّى آنذاك (قوة دفاع السودان)، وتكونت من عدد من الجنود السودانيين تحت إمرة ضباط من الجيش البريطاني المحتل
وبعد عام 1956 عندما نال السودان استقلاله عن التاج البريطاني، كوّن جيشا وطنيا جديدا بفرقه كافة، ابتداء بفرقة للمشاة، ثم تأسست القوات البحرية والجوية، وعرف باسم الجيش السوداني، بعد ذلك جرى تعديل الاسم إلى (قوات الشعب المسلحة) واستقرت التسمية أخيرا على (القوات المسلحة السودانية)
وفي أغسطس 1954 أصبح اللواء أحمد محمد أول قائد سوداني للجيش الحديث لبلاده.
المهام:

يعتمد الجيش السوداني عقيدة قتالية تقوم على أساس الدفاع عن الوطن والحفاظ على سيادته ووحدته الوطنية وحماية الدستور, كما يقوم بمهام مدنية تتمثل في تقديم المساعدات أثناء الكوارث الطبيعية وحفظ الأمن في حالة الأوضاع الأمنية المضطربة.
وتتّبع القوات المسلحة السودانية نظام انضباط عسكريا صارما, وتتسلسل فيها الأوامر والتكليفات على نحو هرمي دقيق، من أعلى رتب الضباط في القيادة إلى أدنى رُتب الجنود في الميدان، شأنها في ذلك شأن الجيوش النظامية في البلدان الأخرى.
وللجيش السوداني مشاركات إقليمية ودولية، وفق ما تمليه التزامات دولة السودان في الإقليم والعالم، لانضوائها تحت مظلة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، ومعاهدات الدفاع العربي المشترك.
وتبعا لمهمة حفظ الأمن القومي واجه الجيش السوداني حركات المعارضة المسلحة، ومحاولات الانفصال.
*فمنذ تأسيس (قوة دفاع السودان) شاركت في الحرب العالمية الثانية ضد الإيطاليين في إريتريا وإثيوبيا، وحرب الصحراء الغربية لدعم الفرنسيين في (العلمين)، لوقف تقدم (ثعلب الصحراء)، الجنرال الألماني رومل
*وشارك الجيش السوداني في حروب فلسطين في الأعوام 1948 و1973، إلى جانب مشاركاته في عمليات الأمم المتحدة في كل من الكونغو وتشاد وناميبيا، وضمن (قوات الردع العربية( في لبنان، وكذا في (عاصفة الحزم) باليمن
المحطات التاريخية وأهم العمليات:

كان للقوات السودانية على مر التاريخ حضور مهم في الأزمات التي شهدها القرن الأفريقي المتاخم للسودان، أو تلك التي حدثت في الجوار الأفريقي والإقليم العربي، وصولا إلى أبعاد عالمية في قارات مختلفة، ومن أبرز هذه المحطات:
– شاركت وحدات سودانية ضمن الجيش المصري في حروب محمد علي باشا، والي مصر في سنتي 1854 و1856
– استقدمت السلطنة العثمانية وحدات من المقاتلين السودانيين للمشاركة معها في حرب القرم إلى جانب القوات التركية ضد الإمبراطورية الروسية، بين عامي 1853 و1856
– شاركت في المكسيك سنة 1862، عندما طلبت كل من فرنسا وإنجلترا وإسبانيا إرسال فرقة من السودانيين لحماية رعاياها ضد العصابات المكسيكية.
في الحرب العالمية الأولى أرسلت بريطانيا فرقتين من الجنود السودانيين إلى جيبوتي بناء على طلب من فرنسا لتحل محل الجنود السنغاليين هناك.
– ومرة أخرى توجهت وحدات من القوات السودانية إلى معارك بالمكسيك إبّان فترة الاحتلال البريطاني للسودان.
– أثناء الحرب العالمية الثانية شاركت قوات الدفاع السودانية في عمليات خارجية وداخلية ضد الإيطاليين الذين كانوا يحتلون إريتريا، وذلك عندما حاولوا احتلال مدينة كسلا في شرق البلاد، وهو ذلك الانتصار الذي جعل تشرشل يعدل عن الاستسلام للألمان كما ظهر لاحقا.
– شاركت القوات السودانية في حملة الصحراء الغربية لدعم الفرنسيين حيث رابطت في واحتي الكفرة وجالو في الصحراء الليبية بقيادة القائد البريطاني أرشيبالد ويفل، وفي العلمين لوقف تقدم الجنرال الألماني رومل الملقب بثعلب الصحراء.
– شارك الجيش السوداني في حرب فلسطين عام 1948
– كما شارك في حرب أكتوبر 1973، عندما أرسلت الحكومة السودانية قوة قوامها لواء مشاة إلى شبه جزيرة سيناء.
– شاركت القوات المسلحة السودانية أيضا في عمليات دولية تصب في مساعي حفظ السلام والاستقرار كما في (الكونغو البلجيكية) عام 1960 وتشاد عام 1979 وناميبيا في 1989
– شاركت القوات المسلحة السودانية ضمن قوات الردع العربية في لبنان أواسط سبعينيات القرن الماضي، لحفظ السلام تحت لواء جامعة الدول العربية.
– شارك السودان في عملية إعادة الحكومة المدنية الشرعية في جمهورية جزر القمر، حيث أسهمت قوات المظليين السودانية في استعادة جزيرة أنجوان وتسليمها لحكومة جزر القمر عام 2008
– كما كانت القوات السودانية شريكا أساسيا إلى جانب القوات السعودية والإماراتية، في (عاصفة الحزم) باليمن.