
يوميات لاجئ عائد (1)
يرويها – خليفة حسن بلة:
(1)
مساء يوم السبت الموافق 26 يناير 2023م كان موعد سفري من الخرطوم للقاهرة، رحلة لزيارة بعض أفراد أسرتي الصغيرة وهم فيها بغرض الدراسة حيث أن (تروس) ما بعد الثورة- التغيير- الإنقلاب أوقفت كثيرا من الأنشطة والمشاريع.. أو للدقة حوّلت (مشوار الحياة اليوماتي من السهل الى الصعب)..فكان القرار بضرورة تكملة دراستهم هناك (لأن الوقت لا ينتظر( أو كما يقول أسلوقن قناة الجزيرة.
نصحني أحدهم: (حاول تطلع قبل مواعيد الحضور للمطار بساعتين أو تلاتة ساعات لتضمن الوصول) وكأنه أعفاني من الاستفسار عن السبب فأضاف: (معظم الشوارع مترّسة).. وقد كان.
(2)

خرجت وعبرت عدة (تروس).. بعضها أحجار فقط ولا أحد بجوارها.. أخرى عليها تجمعات تهتف ضد الجيش.. وبعدها بقليل مجموعة تهتف بالسؤال الاتهام والذي تحول لاحقا الى عقوبة: (بي كم بي كم قحاتة باعوا الدم)..وثالثة كتبوا على ترسهم بالأحمر (الجنجويد ينحل).. ومن المفارقة أن (ترسا) في شارع فرعي بأحد أحياء بحري صنعه أطفال فقط لممارسة كرة القدم.. أدرنا مفاوضات معهم.. قال أحدهم: (يا عمك ترجع بس أنحنا عندنا ماتش)..المهم بعد اتفاق إطاري معهم بأن (نمشي سريع) وهو شرطهم.. عبرنا.
(3)

وصلنا المطار قبل ساعة ونصف من موعدي.. وأن تصل مبكرا أفضل من أن تقلق بالوصول متأخرا..
وصلت القاهرة وفي صحبتي حقيبتين.. إحداهما فيها ملابسي تزن حوالى 5 كيلو ..والأخرى تزن حوالى 23 كيلو تحتوي على مواد غذائية على رأسها اللحوم..كان هذا حال كثير من زملاء تلك الرحلة.
برنامجي أن أقضي مع أسرتي شهر رمضان المعظم وأعود لتنفيذ التزامات عمل هناك في السودان عقب عيد الفطر المبارك.
(4)
حال معظم الأسر السودانية الذين قابلتهم جاءوا لتكملة الدراسة بعد أن تأثرت الحياة الدراسية في السودان بشارع ما بعد (الثورة – التغيير-الانقلاب)..وهذا هو حال بعض أسرتي في القاهرة.
فئة أخرى جاءت للعلاج..وهناك فئة ثالثة برنامجهم السنوي تمضية شهر رمضان في مصر حيث تأتي الأسرة من السودان لمقابلة آباء أو أبناء يأتون من دول الإغتراب والمهاجر.
(5)
حين وصلت كانت ايجارات الشقق المفروشة في فيصل لا تتجاوز 3000 جنيه..وفي الدقي تصل الى 7000 جنيه..أما مدينة نصر فيمكنك أن تتحدث عن 12000 جنيه الى 15000 جنيه
كان الجنيه المصري يعادل 15 الى 18جنيها سودانيا.
كنا وقتها نستأجر شقة في مدينة بحري شمبات شمال البراحة وقبل سفري بأيام تواصل معي مالكها بأدب جم مطالبا بزيادة في الإيجار .. كنا ندفع وقتها 100 ألف جنيه.. قال لي أن المتوسط في هذه المنطقة بين 250 ألف جنيه الى 300 ألف جنيه.. قبل منّا أن ندفع 150 ألف ننظر لاحقا في زيادتها.
(6)
ونحن نعيش أيام رمضان المعظم في أجوائه التي تتميز بها مصر.. تتزين شوارعها بالفوانيس والأنوار والأعلام وتزدحم الساحات بموائد الافطار والحارات شوارعها تتحول الى ميادين ألعاب وتمتلئ القهاوي والكافيهات بجلسات الأنس و(الونس) الى ما قبل الفجر.
(7)

على الجانب الآخر كنا نتابع عبر الفضائيات شوارع السودان.. حريق لساتك.. ودخان .. وصراع وتوتر سياسي حاد..ورغم هذا كنت أتواصل مع الزملاء وأرتب لتنفيذ التزاماتي هناك.
غير أن رصاصة أُطلقت فجر 15 أبريل 2023م غيرت كل ما بعدها.. بل كأنها خطت بدخانها فاصلا بين سودان قديم وآخر. لم يكن أكثر المتشائمين تشاؤما يتخيل أن يحدث لبلدنا ما صار إليه.
ونواصل