آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (18) (لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ش) 

صمت الكلام

فائزة إدريس

*ظل يفكر طويلاً وعيناه مسلطتان على الرقعة حتى اختفت مقلناه تقريباً من تحت جفنيه السوداوين، وأجهده التفكير حتى فتح فمه رويداً مما أضفى شيئاً من السذاجة على وجهه المستدير. بعد بضعة دقائق من الاستغراق في التفكير لعب دوره ونهض على الفور وشوش صديقنا: (إنه يماطل ، تفكير سليم لكن لا يجب الانخداع. عليكم بالتبديل، لا بد من إجباره على التبديل بأي ثمن، هكذا نصل للتعادل ولن يجد من ينقذه).

*أطاعه ماكونر، فخلال الحركات التالية بدأ تفاعلاً غير مفهوم يتطور فيما بينهما، بعدما تحولنا نحن إلى مجرد كمالة عدد ثم بعد حوالي سبع نقلات وتفكير مطول من جانب تشينتو فيتش، أعلن عن التعادل.

*خيم الصمت التام علينا للحظات. فجأة بات خرير الموج مسموعاً ونغمات موسيقى الجاز تأتينا من مذياع الصالون المجاور، وكل خطوة على ممشى السفينة، وحتى صوت صفير الريح الخفيف وهو يمر من بين الأبواب والنوافذ.

*وصل إلينا توقفت أنفاسنا، لقد باغتتنا المفاجأة وتملكتنا جميعاً صدمة غير متوقعة؛ كيف استطاع شخص مجهول أن يفرض إرادته على بطل عالمي في دور كان مساره إلى الخسارة ؟ مال ماكونر دفعة واحدة إلى الوراء وانطلق نفسه المكتوم في صيحة سعادة عالياً: (هاه).

*أما أنا بدوري فكنت أراقب تشينتوفيتش؛ فقد هيأ لي أثناء الحركات الأخيرة أن وجهه شحب، لكنه كان يعرف كيف يتمالك نفسه بجدارة مكث في وضعه متحجراً لا يبدو مبالياً بشيء، ثم سأل عابراً وهو يزيح القطع من على الرقعة بيد ثابتة: (هل يرغب السادة في لعب دور ثالث)؟.

*كان يطرح سؤالاً عملياً، غير شخصي؛ لكن الغريب أنه لم ينظر إلى ماكونر وهو يسأل، إنما نظر بعين حادة ومباشرة إلى منقذنا، كما يعرف الخيل أن فارساً جديداً أكثر جدارة يمتطيه من شدته، لا بد أنه عرف من الحركات الأخيرة من خصمه الحقيقي. لا إرادياً تتبعنا نظراته ووجهناها إلى الغريب في حالة من التشويق.

*لكن قبل أن يستطيع هذا أن يفكر أو يرد حتى هتف ماكونر منتصراً في إثارة جامحة: (طبعاً، ولكن هذه المرة عليك أن تلعب ضده وحدك أنت وحدك ضد تشينتو فيتش).

*لكن ما حدث لم يكن متوقعاً، كان الغريب لا زال ينظر لسبب غير مفهوم إلى الرقعة الخالية، وعندما وجد كل الأنظار موجهة إليه، والناس تناشده بتوقد، فزع واضطربت ملامح وجهه أخذ يتلعثم وهو في حالة ارتباك واضحة: (كلا، أيها السادة… هذا محال غير مطروح أن… أنا لم ألعب منذ عشرين … بل خمسة وعشرين عاماً. والآن، الآن أدركت مدى وقاحتي عندما أقحمت نفسي في لعبتكم دون إذن … أرجو أن تسامحوني على تجاوزي… لن أزعجكم أكثر من ذلك) وقبل أن نستفيق من المفاجأة وجدناه قد انسحب وغادر المكان.

*ضرب ماكونر المنفعل دائماً بقبضته على المنضدة وهو يصيح: (شيء لا يصدق! مستبعد تماماً أنه لم يلعب الشطرنج منذ خمسة وعشرين عاماً. ألم يتنبأ بكل حركة.

*وكل هجوم مضاد قبلها بست حركات؟ لا أحد يمكن أن يلعب هكذا اعتباطاً. مستحيل، أم لا؟.

*التفت عفوياً ليوجه السؤال الأخير إلى تشينتوفيتش لكن البطل العالمي احتفظ ببروده غير مهتز: (لا أستطيع أن أحكم. لكنه يتمتع على أي حال بأسلوب غريب ولافت في اللعب، لذا تعمدت أن أترك له المجال) . نهض وهو يقول عرضاً بطريقته الموضوعية: (على كل، إذا كان للسيد أو للسادة رغبة في لعب دور آخر غدًا، فسأكون على أتم الاستعداد من الساعة الثالثة عصرا).

*لم نفلح في منع أنفسنا من ابتسامة خفيفة. جميعنا كان يعلم أن تشينتوفيتش لم يتكرم قط على منقذنا المجهول بمنحة وأن تعليقه هذا ليس إلا محاولة تهرب ساذجة للتغطية على إخفاقه، مما زاد من رغبتنا في أن نراه مذلولاً بغطرسته الوطيدة هذه. مرة واحدة انتاب مجموعة ركاب السفينة المسالمين المتغافلين شعور جنوني بالمشاكسة؛ إذ إن فكرة أننا ربما نسلب من معلم الشطرنج إكليل مجده في أعالي البحار سيطرت علينا؛ سيكون بمثابة تسجيل رقم قياسي تتهافت على إرساله كل مكاتب التلغرافات في العالم.

*أضيف إلى ذلك الإثارة الغامضة التي أحاطت بالتدخل غير المنتظر لمنقذنا في لحظة حاسمة، والتباين بين تواضعه الذي يكاد يتسم بالتوجس والاعتداد الراسخ بنفسه للمحترف. (يتبع).

نهاية المداد:

الأحذية والأشخاص ، إن سببوا لك الألم فهم ليسوا على مقاسك

 (أنيس منصور)