آخر الأخبار

عودة الدولة من قلب الخرطوم… قراءة في الرمزية والسياسة

عمرو خان

*في مشهد يختلط فيه الرمزي بالسياسي، انعقد أول اجتماع لمجلس وزراء الحكومة السودانية في الخرطوم بعد أكثر من عامين من الانقطاع الذي فرضته الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع. هذا الاجتماع ليس مجرد فعل إداري أو عودة روتينية لمؤسسة الدولة، بل هو حدث يختزن طبقات من المعاني، تبدأ من فكرة استعادة المركز وتأكيد الشرعية، ولا تنتهي عند حدود اختبار القدرة على تحويل الرمزية إلى إنجاز ملموس.

*الرمزية المكانية والزمانية: أن يُعقد الاجتماع في الخرطوم، العاصمة التي نزفت دمًا ودمارًا، يحمل دلالة تتجاوز البروتوكول السياسي. الخرطوم لم تعد فقط جغرافيا، بل أصبحت أيقونة للصراع على السودان نفسه: هل يبقى موحدًا في ظل دولة مركزية، أم يتمزق إلى كانتونات وسلطات متنازعة؟ انعقاد مجلس الوزراء هنا رسالة مباشرة بأن الدولة، رغم هشاشتها، لم تفقد مركزها الرمزي. أما التوقيت، فجاء في لحظة حرجة تحاول فيها الأطراف الإقليمية والدولية دفع الأزمة نحو تسويات جزئية، ما يجعل الاجتماع بمثابة إعلان تحدٍ لهذه الضغوط وتأكيد أن القرار السيادي ما زال يُصاغ من الداخل.

*البعد التاريخي: التاريخ السوداني مليء بالمحطات التي كان فيها اجتماع الحكومة أو البرلمان رمزًا لميلاد مرحلة جديدة من أول برلمان وطني بعد الاستقلال 1956، إلى جلسات الحكومات الانتقالية المتكررة عقب الانتفاضات الشعبية. لكن اجتماع الخرطوم هذه المرة يأتي في سياق مختلف: سياق دولة منهكة من الداخل، ومجتمع مهدد بالتمزق, إنه استدعاء غير مباشر للتاريخ كي يمنح الحاضر بعض الشرعية، لكن أيضًا استدعاء للتاريخ بوصفه شاهدًا على فشل النخب المتكرر في تحويل اللحظات الرمزية إلى إصلاحات عميقة.

الدلالة السياسية: سياسيًا، الاجتماع يكشف محاولة لبعث رسالة طمأنة متعددة الاتجاهات للداخل، يريد أن يقول: لدينا حكومة، ولسنا مجرد سلطة عسكرية في حالة حرب, وللخارج، يقدم صورة أن السودان لا يزال يمتلك مؤسسة تنفيذية قادرة على التفاوض والتعامل مع المجتمع الدولي. لكن هذه الرسائل ستظل ناقصة إذا لم تُترجم إلى سياسات عملية تعيد الخدمات للمواطنين وتفتح مسارات جادة نحو السلام, فالرمزية وحدها لا تكفي، بل قد تتحول إلى عبء إذا لم تعقبها خطوات ملموسة.

*الجانب الاجتماعي والنفسي: من الناحية الاجتماعية، يكتسب الاجتماع قيمة خاصة عند المواطن السوداني العادي الذي أنهكته الحرب. فمجرد رؤية الوزراء يجتمعون على طاولة واحدة داخل الخرطوم، قد يبعث برسالة أمل صغيرة في إمكانية استعادة الدولة التي يعرفها. لكنه أيضًا يثير قلقًا قديمًا من تكرار دورة (التجميل السياسي) دون نتائج في الوعي الجمعي للسودانيين، هناك خيبة ممتدة من الحكومات التي تعلن خططًا ولا تنفذها، ومن النخب التي تتصارع على السلطة وتترك الشعب في العراء, لذا فإن البعد النفسي لهذا الاجتماع لا يقل أهمية عن بعده السياسي، فهو إمّا أن يُسهم في إعادة بناء الثقة تدريجيًا، أو يعمّق الإحباط إذا بقي حبراً على ورق.

*باختصار، اجتماع مجلس الوزراء السوداني في الخرطوم ليس مجرد حدث إداري، بل هو اختبار لمعادلة دقيقة: كيف يمكن تحويل الرمزية إلى سياسة، والسياسة إلى إنجاز؟ إنه لحظة فاصلة تقف عند مفترق طرق بين أن تكون بداية لإعادة بناء الدولة السودانية من قلب عاصمتها، أو أن تتحول إلى مجرد مشهد رمزي آخر يضاف إلى أرشيف اللحظات الضائعة في تاريخ السودان السياسي.

*كاتب صحفي مصري