آخر الأخبار

أحمد إبراهيم مفضل… محاولة لسبر أغوار الشخصية

  • من( تكساس)إلى (الهاشماب) إلى (الزقازيق) قصة رجل أمن من طراز فريد
  • الفريق أول أمن (مفضل )صورة مغايرة لرجال أمن دول العالم الثالث
  • طبق أساسيات وفنيات المهنة الصامتة وأعجب بمهنية (محسن ممتاز في رافت الهجان)
  • واحترافية المخابرات المصرية في (الطريق إلى ايلات)
  • من الأجندة التي تنتظره إعادة هندسة الإدارة الأهلية في الحزام الرعوي(عرب دارفور وكردفان) بعد أن أفسدت مليشيا آل دقلو بعض قياداتها

تقرير – دكتور إبراهيم حسن ذوالنون:
عرفته في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي إذ كنت أعمل وأنا طالب في السنة الأولى بجامعة القاهرة فرع الخرطوم مع شقيقه الأكبر الاستاذ محمد إبراهيم علي مفضل في قصر الشباب والأطفال وكان يأتي لزيارته لمتابعة بعض الأمور الأسرية خلال فترة الإجازة السنوية لجامعة الزقازيق والتي كان يقضيها بين مدينتي ام درمان حيث منزل شقيقه محمد ونيالا حيث تسكن الأسرة الكبيرة بها بحي الوحدة غرب والذي يسميه أهل (نيالا البحير غرب الجبيل) ب (تكساس) وبالمناسبة مدينة نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور بها أسماء أحياء مستمدة من بعض الأحداث التي تزامنت مع تأسيس بعض احيائها مثل حي (السد العالي)الذي جاءت تسميته بعد تشييد السد العالي بمصر في أوائل ستينيات القرن الماضي وحي (كرري)والذي يطلق عليه اسم (كوريا)
وحي(الفلوجا) وحي (الكنغو) والذي تقع إلى شماله الجغرافي مقابر الكنغو وهي من كبريات مقابرالمدينة.
تكساس الهاشماب:


من الواضح أن تأثيرات المكان (نيالا وام درمان) قد لعبت دورا مهما في تشكيل شخصية الفريق أول أمن أحمد إبراهيم علي مفضل ..فعبقرية المكان تسهم في تشكيل الشخصيات حيث يرى المفكر المصري جمال حمدان (فبراير1928م- ابريل 1993م) في مؤلفه الضخم أربعة مجلدات(شخصية مصر دراسة في عبقرية المكان) والذي ثارت شكوك حول ضلوع الموساد في اغتياله لأنه مصنف عند المخابرات الإسرائيلية بانه (الجغرافي المصري الذي أرعب تل أبيب) وتلك قصة اخرى ..إذ من المعلوم أن الجغرافيا لها تأثيرات مهمة وأساسية في تشكيل الشخصية. فنشاة الفريق أول مفضل في حي تكساس على الضفة الجنوبية لوادي برلي) وهو واد موسمي يشق مدينة نيالا إلى نصفين. ومدينة نيالا برغم وقوعها في إقليم دارفور إلا أنها جذبت كل المجموعات السكانية السودانية حيث تساكنت وتعايشت وتصاهرت وخلقت مدينة هجين متعافية تماما من (عواء السحنات) و(عصبية الجغرافيا) و (غلواء الجهويات) لذلك تعافي هو من هذه المنقصات التي أقعدت بالسودان (الجغرافيا والإنسان) وإعانته لاحقا كضابط مخابرات عامة. ولما جاء إلى ام درمان حي الهاشماب (أحد مكونات مدينة الموردة الكبرى) وسكن في شارع الفيل الشارع الذي سكن فيه لاحقا الشاعر اللواء المرحوم عوض أحمد خليفة (عشرة الأيام وربيع الدنيا) وبه أسرة (قدح الدم ) بتاريخها التليد وخلوتها المعروفة ومسجدها العتيق والذي يعود أنشأته إلى القرن التاسع عشر الميلادي.. والشاعر مبارك حسن خليفة وشمس الدين حسن خليفة (مرحبتين بلدنا حبابا) وفي نفس الشارع جاور أسرة محمد مكي الصوفي (شقيق السريرة محمد مكي الصوفي) مصممة علم السودان وفي حي الهاشماب تسكن أسرة ابو الصحف (احمد يوسف هاشم) وكل آل هاشم شيوخ وعلماء ومعهد ام درمان العلمي والتي جاء منها ابوالقاسم هاشم وأبو القاسم محمد إبراهيم(من صناع 25مايو 1969م) ورئيس القضاء الأسبق عثمان الطيب والذي كان عالما موسوعيا وفي نفس الحي وفي عشرينات القرن الماضي تكونت جمعية الهاشماب الأدبية والتي أسهمت مع رصيفاتها الأخريات في ابوروف و الموردة ومدني والأبيض في تأسيس حركة الوعي الجماهيري والذي أدى في النهاية لاستقلال السودان(أولاد محمد عشري الصديق ومحمد عبدالحليم وابن خالته محمد أحمد المحجوب (ديوان شعر موت دنيا).
جامعة الزقازيق:


بعد جلوسه لامتحان الشهادة السودانية في العام 1980م من مدينة نيالا الثانوية العليا تم قبوله بجامعة الزقازيق كلية التجارة..وجامعة الزقازيق من الجامعات المصرية المرموقة والتي يفضلها الطلاب السودانيون مثل جامعات القاهرة والإسكندرية وأسوان وأسيوط والمنصورة وتعود الأفضلية لجامعة الزقازيق لموقعها المميز فهي تبعد عن مدينة القاهرة بحوالي 80 كليومتر مسافة ساعة بالمكروباص وهي عاصمة محافظة الشرقية وهي أهم مدن الوجه البحري وتقع شرق الدلتا على الطريق الصحراوي (القاهرة بلبيس) وتمتاز بالهدوء شأن كل مدن وقرى محافظة البحيرة وهذا الهدوء يساعد طلاب جامعتها من التحصيل الجيد وقد استفاد مفضل من ذلك وأكمل دراسته فيها في العام 1985م بتفوق كبير على أقرانه وبعد عودته للسودان عمل في منظمة الدعوة الإسلامية لعدة سنوات وقد اتاحت له فرصة العمل في بعثتي المنظمة بتنزانيا ويوغندا التعرف على الخصائص العامة للمجتمع الافريقي خاصة أن تنزانيا ويوغندا وبرغم وجود مسلمين بهما إلا أن تأثير الكنسية واضحا فيهما نتيجة وجود أعداد مقدرة من المسيحيين إلا أن وجود منظمة الدعوة الإسلامية قد أسهم بشكل واضح في بسط الدعوة الإسلامية بالحسنى ولعل تجربة العمل في هاتين الدولتين تكون قد أسهمت بالتأكيد في عمله بالمخابرات العامة في ملفات الدول الأفريقية ..ومن المعروف أن الفريق أول أمن مفضل قد لعب أدوارا مهمة في تأسيس علاقات متينة مع الدول الأفريقية خاصة اثيوبيا والتي التقى رئيس مخابراتها ببورتسودان خلال الأشهر الماضية والتي بعدها تلمس المراقبون أن مواقف اثيوبيا من مليشيا آل دقلو المتمردة قد تغيرت 180درجة حيث انتهت بطرد من تواجد من منسوبيها ومؤيديها من اثيوبيا وبدأ واضحا أن الفريق أول مفضل قد ذكر رصيفه الاثيوبي بالمثل (البيته من قزاز ما يجدع بيوت الآخرين بالحجارة).
جوانب أخرى من الشخصية:
حدثني صديق مقرب من الفريق أول أمن أحمد إبراهيم علي مفضل زامله في سنوات الدراسة الجامعية وفي جهاز المخابرات العامة آثر أن لايذكر اسمه او صفته.. أن الفريق أول مفضل شخصية متوازنة في التفكير و في العمل ويتحمل ضغوط العمل وتتجسد فيه شخصية (القائد والمديرمعا) يجيد الاصغاء ..صبور يدير الوقت والاجتماعات باقتدار ولديه القدرةعلى تفكيك الأزمات وامتصاص خدماتها ويضيف أنه يكاد يكون قد قرأ كل ما كتب عن المخابرات باكثر من لغة وقد أبدى إعجابه بكتب( بوب ودوارد) خاصة الحجاب وكتاب من يجرؤ على الكلام(بول فندلي) وكتاب المخابرات والعالم (ابوبكر الجزائري) وكتب( صلاح نصر) الحرب النفسية حرب المعتقد والكلمة وحرب العقل والمعرفة وكتاب أمراء الموساد (بوسي ميلمان ودان رافيف) وكنت رئيسا للسي أي ايه (الن دلاس).
وايضا كان معجبا بشخصية (محسن ممتاز)الذي صنع من شخصية رفعت علي سليمان الجمال (رافت الهجان) كما اعجب بشدة واحترافية المخابرات المصرية عندما نفذت عملية (الطريق إلى ايلات)الميناء الإسرائيلي واضاف صديقه أن الفريق أول أمن مفضل رجل أمن من طراز فريد وقدم من خلال سنوات عمله الطويلة بجهاز المخابرات العامة صورة مغايرة لرجال أمن دول العالم الثالث والذين وإلى وقت قريب كانوا يعتقدون أن أجهزة الأمن والمخابرات ماهي إلا مؤسسات لصناعة (التوجس خيفة) بين المواطنين.
تجديد الثقة والتحديات:

البرهان ومفضل

جاء في الأنباء أن السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان قد جدد الثقة في الفريق أول أمن أحمد إبراهيم علي مفضل بابقائه لفترة جديدة مديرا عاما لجهاز المخابرات العامة في السودان ويبدو أن هذا القرار قد انبنى على حيثيات موضوعية وذات علاقة براهن البلاد وتعقيدات المشهد السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي والاجتماعي بالبلاد والذي أنتجته حرب 15 أبريل2023م الماثلة والمستمرة حتى الآن..ولعل تجديد الثقة يزيد من فرص الفريق أول مفضل لاستكمال من بدأه في الملفات الأمنية بالغة التعقيد والمتشابكة الخطوط، وبالطبع فإن ثمة تحديات كثيرة تنتظر الرجل ويمكن إجمال أهمها في الآتي:
– تعزيز علاقات السودان الخارجية وفق معطيات تبادل المنافع بالتنسيق مع وزارة الخارجية والتعاون الدولي لاستقطاب رؤوس أموال تدعم الاقتصاد الوطني وتخرجه من مراقد شبه الإنهيارإلى التعافي التدريجي.
– امتصاص آثار الحرب على القطاع الاقتصادي التقليدي السوداني بابتدار وتصميم خطة إسعافية لاستناهضه وإخراجه من دائرة (اضطراب الدور).
– تطوير منظومة آليات الأمن القومي بشكل جديد ووفق الاستراتيجية القومية الشاملة.
– إعداد خطة استراتيجية جديدة تستوعب اسباب ومتغيرات وآثار الحرب يكون هدفها الاستراتيجي الأول إعادة تشكيل الشخصية السودانية لتأسيس عقلها بشكل جديد.
– إعداد استراتجية وطنية للأمن السيبراني باعتبار أن الفضاء المعلوماتي جزء أساسي من منظومة الاقتصاد والأمن القومي.
– إعادة هندسة الإدارة الأهلية في الحزام الرعوي التقليدي(عرب دارفور وكردفان) بعد أن أفسدت مليشيا آل دقلو بعض قياداتها وجيرتها لتمرير مشروعها الاقصائي الذي غايته النهائية تفكيك النسيج الاجتماعي وتمزيق الوطن الواحد.