آخر الأخبار

مشاهد وإنطباعات من حسناء كردفان (بارا)

  • صراخ الرباعية ونواح الجنجويد
  • المهندسون السودانيون (عباقرة كرري) يتلاعبون اتاري بالجنجويد قبيل تحرير بارا
  • لقاء مع عمدة بارا في ضيافة مطر الرشاش والقهوة (الباراوية) وأعذب مياه في العالم
  • سر الإشتباك بين الجنجويد وقوات حليفهم عبد الواحد محمد نور قبيل تحرير بارا

تحقيق ــ التاج عثمان:
رحلة عمل صحفية لتغطية حصرية لصحيفة (الرأي العام) السودانية، لتسليط الضوء على طريق الصادرات: (ام درمان ــ بارا ــ الأبيض) قبل إفتتاحة رسميا بحوالى الشهر اتاحت لي زيارة مدينة بارا بولاية شمال كردفان حيث قضيت فيها يوما خريفيا رائعا لا ينسى من ذاكرتي الصحفية.. تحصلت من مرافقي عمدة بارا ــ وليعذرني القراء أن ذاكرتي لم تسعفني لإستحضار إسمه ــ الذي طاف بي أنحاء المدينة مقدما لي معلومات تفصيلية عن هذه المدينة الجميلة فضلت ان أشارك بها القراء بمناسبة تحرير بارا من دنس المليشيا المتمردة عبر هذا التحقيق
داخل بارا:


تحركت في الصباح الباكر من فندق عروس الرمال بالأبيض في طريقي إلى مدينة بارا والتي لا تبعد من الأبيض سوى (40) كيلو مترا في يوم سبت وكان يوما غائما تميز بمطر الرشاش الذي تغنى به الفنان إبن المنطقة (عبد الرحمن عبد الله) في رائعته الغنائية التي مطلعها: (مطر الرشاش الرشه).. الطريق من الأبيض إلى مدينة بارا كان مسفلت تعلوه كثير من الحفر لإهماله وقدمه، واعتقد انه تحول اليوم إلى طريق ترابي.. فور وصولي المدينة سألت عن عمدة بارا فدلني أحد السكان لمتجره داخل السوق، وبعد ان كشفت له عن هويتي وغرضي من الزيارة رحب بي قائلا في سخرية لم يستطع إخفائها: خلاص تذكرتوا بارا يا صحفيين.. أين أنتم من زمان.. وكان يقصد ان بارا مهملة إعلاميا خارج نطاق إهتمام الصحفيين رغم أنهم يأتون كثيرا للأبيض لتغطية بعض فعاليات وإحتفالات الوالي، حسب قوله.. جلسنا في فرندة ملحقة بالمتجر وبعد ان أكرم وفادتي أولا بـ(كوز) من مياه حوض بارا الجوفي، ناصعة البياض حلوة المذاق، والتي تعد أعذب وأحلى مياه في العالم، ومن حلاوتها وعذوبتها لم إكتفي بـ(كوز) واحد فقط بل تجرعت ثلاثة ورغما عن ذلك لم أحس بالإرتواء، بينما كان العمدة يضحك لشغفي بمياه بارا.. بعدها قدم لي قهوة (باراوية) مظبوطة لم أتذوق مثلها من قبل، طلبت منه تعريفي ببارا، وقبائلها، ونشاطها، وأهميتها الاقتصادية لشمال كردفان والمنطقة والسودان عموما.. فبدأ حديثه معي ونحن نجلس على عنقريبين متواجهين يطلان مباشرة على سوق بارا، تحفنا نسائم عذبة رطبة ممزوجة بمطر الرشاش المنعش والذي كان يداعب وجهينا، ورغم انه طلب مني الدخول للمتجر حتى لا تبتل ملابسنا إلا أنني فضلت البقاء لأنعم بهذا الجو الخريفي الرائع ولأغسل به هموم وسخانة الخرطوم.. ومن ثم بدأت أسأله عن كل شيء أتوق له عن بارا، فإنهالت وتدفقت على مسامعي كل ما كنت أرغب في تقديمه للقراء من معلومات.
حسناء كردفان:
الطريق بين الأبيض وبارا طريق قاحل في معظمه صحراء جرداء، وأخيرا تراءت لنا حسناء كردفان بارا، وهي عبارة عن واحة خضراء في قلب صحراء كردفان تحيط بها بساتين الفاكهة ومزارع الخضروات.. سكانها يفوق 42 ألف نسمة، هم مزيج فريد من عدة قبائل، منها قبيلة الركابية، وهي قبيلة سودانية مشهورة تنسب إلى (ركاب بن عون بن غلام الله بن عايد)، وتعد من القبائل القديمة والكبيرة في المنطقة، ولها باع طويل في الزراعة والتجارة، ولهم إمتداد في الأبيض وامدرمان بحي الركابية الشهير.. ومن قبائل بارا قبيلة الكبابيش وهي من قبائل بارا المشهورة ايضا تشتهر برعاية الماشية والتجارة.. ثم قبيلة دار حامد، وهي ذات تاريخ راسخ وطويل بالمنطقة ويسكنون داخل وضواحي بارا.. هذه القبائل مجتمعة لعبت دورا هاما في تشكيل الهوية الثقافية لمدينة بارا وقراها، وتساهم في الإنتاج الزراعي والإقتصادي.. وتشتهر بارا ببساتين الفاكهه وأشهرها (ليمون بارا) والخضروات، وتعد واحدة من أهم المناطق الزراعية في كردفان بل كل السودان.
حوض بارا الجوفي:


بارا عبارة عن واحة خضراء وسط الصحراء، وتتميز بمناخها الصحراوي، لكنها تستفيد من مياه حوض بارا الجوفي في زراعة محاصيل مختلفة خاصة البستانية، والذي يعد موردا مائيا هاما لكل ولاية شكال كردفان، ويتميز الحوض بمياه جوفية متجددة، ويعد المصدر الرئيسي لمياه الشرب لبارا والأبيض.. ووفقا لدراسة جيولوجية أجريت عام 2004 فإن حوض بارا الجوفي يمثل موردا مستداما للمياه، ويمكن استغلاله لتلبية إحتياجات المنطقة حتى للأجيال القادمة لإحتوائه على مخزون جوفي هائل من المياه بالغة العذوبة.. ولقد صنفتها منظمة الفاو مثالا على كيفية إستقلال الموارد الطبيعية في المناطق الصحراوية لإنشاء مجتمعات مزدهرة، لكن الحوض الجوفي يحتاج لمزيد من الاهتمام من الدولة للإستفادة منه بصورة أكبر، خاصة ان بعض القرى هناك لا تزال تعتمد على مياه الأمطار المتجمعة في البرك والأودية وعلى ما يحفره السكان من آبار على حواف الخيران.
لاحظت أثناء جولتي داخل المدينة (الحسناء)، ان المعمار في بارا تطغى عليه التقليدية، فالمساكن مشيدة من الطين والخشب والقش والتي كما قال لي عمدة بارا:”ان المساكن التقليدية تعكس التراث الثقافي والعمارة المحلية الفريدة المتوارثة من الأجيال السابقة.. حيث تتميز المنازل في مدينة بارا بتصميم معماري فريد يعكس التكيف مع البيئة الصحراوية والظروف المناخية المحلية”..ايضا لاحظت وجود بعض المساكن الحديثة المشيدة من الأسمنت والحديد.
قرى بارا:
تحيط بمدينة بارا عشرات القرى الصغيرة تتناثر حولها كالعقد المنظوم، فمن الناحية الشمالية الشرقية تحيط بها قرى: (شريم أم سريحه ــ أم زين).. ومن الجهة الغربية تحيط بها قرى: (الصنوبر ــ الطويل ــ البشيري ــ العودة)، بجانب عشرات القرى المتناثرة حولها هنا وهناك منها قرى: (أُم قلجي الشمالية ــ فرج الله ــ نمله ــ أُم قويز ــ تقازة ــ درزة ــ جبل الرخمي)، القرى المذكورة تبعد من بارا بحوالي 80 إلى 36 كيلومترا. وتعد بارا محلية ووحدة إدارية بولاية شمال كردفان، وفي نفس الوقت تضم عدة وحدات إدارية أصغر.. وتنقسم محلية بارا إلى محلتين هما: (محلية بارا)، وتضم 4 وحدات إدارية هي: أُم سيالة، أم قرفه، جريجخ، ومدينة بارا وريفها.. هذا بجانب محلية غرب بارا، وتضم 3 وحدات إدارية، هي: (أم كريدم ــ طيبة الزعيتير ــ المزروب)
جرائم المهاويش:
سيطرت قوات الدعم السريع (المهاويش) على مدينة بارا وبعض قراها وقاموا بنهب البنك الزراعي، وكل المحال التجارية بسوق بارا، ومنازل وسيارات المواطنين، والصيدليات، وإعتدوا على المواطنين ومارسوا في حقهم إنتهاكات متعددة مما جعل أكثر من 700 اسرة ينزحون لمدينة الأبيض وامدرمان والخرطوم والنيل الأبيض ومنهم سكان بعض القرى التي دنسها الدعم السريع المتمردة.. حتى تم تحريرها مؤخرا.
شُغل نضيف:
نختتم هذا التحقيق بسطور معبرة وساخرة، رسمها كاتب غيور على الوطن وعلى بارا، بأحد مواقع التواصل الاجتماعي باسم (إبن عباس)، تحت عنوان: (صراخ الرباعية ونواح الجنجويد)، يقول فيها من دون تصرف:
بالأمس أنجز عباقرة كرري من المهندسين عمل من نوع آخر يعني بالدارجي (شغل نضيف)، تمثل في ضربتين مزدوجتين جعلت الرباعية تصرخ وأم قرون تنوح.. وتمثلت العمليتن في:
ــ العملية الأولى: قبل دخول الجيش لبارا قام المهندسون العباقرة بقطع الإتصالات بين الجنجويد، فانقطع الفزع وغابت الاحداثيات وتعطلت المدفعية الموجهة والطائرات المسيرة على الرغم من حداثة الأجهزة الأمريكية للإتصالات والتشويش والتي تتصل بالقمر الصناعي المخصص لحرب السودان مباشرة، فدخل الجيش بارا ونزل المطر وبرد الجو وشرب البرهان ليمون بارا المخلوط بالنعناع.. واحتار الجنجويد في هذا الانقطاع المفاجئ للإتصالات.
ــ العملية الثانية: تحركت قوات عبد الواحد محمد نور، المتمردة، من أوكارها في جبل مرة وفي طريقها هجم عليها الجنجويد، الذين يحاصرون مدينة الفاشر، ودارت معركة بين الطرفين وكان الجنجويد يعتقدون ان قوات حركة جيش تحرير السودان برئاسة، عبد الواحد محمد نور، هم قوات الجيش السوداني، فإشتبكوا معا فمات من الطرفين خلق كثير وتدمرت آليات كُثر وكانت الخسائر كبيرة بين الطرفين.. والنتيجة كانت ان إشتكى الكفيل للشركات الأمريكية رداءة الأجهزة، فأبلغ الأمريكان الكفيل بقولهم:
أجهزة الإتصال الأمريكية هذه تعتبر قمة تكنلوجيا الاتصالات في العالم ولكن المهندسون السودانيون يتلاعبون بجنجويدكم أتاري، الحل الوحيد يتمثل في هدنة لإعادة ضبط المنظومة ومع الهدنة إغاثة لضمان دخول مهندسين أمريكان ليشرفوا على المنظومة عن كثب، وإلا جماعتكم حيكملوا، فكانت الرباعية.
ما قلنا ليكم عباقرة كرري يديرون المعركة بشكل آخر، وأن هذه معركة بين المهندسين السودانيين وشركات صناعة السلاح العالمية.. التحية لعباقرة كرري الذين طفوا النور وخلوها ضلمة حتى على القمر الصناعي الأمريكي.. طبعا دي من بيت الكلاوي الأمريكي.