
السفير محي الدين سالم أحمد وزير الخارجية والتعاون الدولي الجديد…صدق الإنتماء وحسن الإختيار
نور الدائم فضل الله محمد
*ونحن نتنسم بشائر عبير النصر المؤذر الذي أحرزته قوات الشعب المسلحة وكل القوات المقاتلة والفئات الأخري المشاركة بمسمياتها المختلفة ، في معركة الشرف والكرامة بقيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة ، الذي قاد البلاد في فخر وعز، ومن نصر الي نصر ، شمل كافة المحاور لسحق التمرد وإجتثاث جذوره من كافة الأراضي السودانية.
*ومما زاد (دعاش) فرحنا فرحا ، وزاد سعادتنا سعادة ، إختيار السفير محي الدين سالم أحمد وزيرا للخارجية والتعاون الدولي، وهو خريج قانون جامعة الخرطوم بدرجة الشرف، وأيضا هو خريج المدرسة العثمانية – مدرسة السفير عثمان السيد فضل السيد – مدير جهاز الأمن الخارجي ووزير الدولة ، والمعلم مربي الأجيال ، والقنصل العام في بيروت، وسفير السودان لدي أثيوبيا، ومندوبه الدائم لدي الاتحاد الافريقي ، وعميد السلك الدبلوماسي العربي والإفريقي بأديس أبابا.
*وهذه المدرسة العثمانية، خرجت عباقرة الدبلوماسيين، ودهاقنة الأمن والمخابرات الوطنية والعمل الخارجي الإستراتيجي، وقادة الخدمة المدنية، وعلي رأس هولاء الخريجين من هذه المدرسة، الفريق أول ركن طيار المرحوم الفاتح عروة عليه رحمة الله ، والذي كان من أعظم وأميز ضباط قوات الشعب المسلحة وأقوى وأذكي رجل أمن واستخبارات عرفته المنطقة علي الإطلاق، وأيضا من الدبلوماسيين الذين خرجتهم هذه المدرسة العريقة السيد السفير عبد المحمود عبد الحليم، وهو من أكفأ وأشطر وأشجع السفراء الذين تشرفت بالعمل معهم، وكما شاهده وتابعه أهل السودان كلهم، وهو يصول ويجول في الأمم المتحدة ، وكلما سلك فجا في دهاليز وأروقة الأمم المتحدة إلا وسلك أوكامبو الأمين العام للأمم المتحدة فجا آخر، وكان أوكامبو يخشي السفير عبد المحمود عبد الحليم أكثر من خشيته الموت، أما مجاهداته قبل ذلك في منظمة الوحدة الأفريقية فهذا ملف ضخم آخر يصعب إختصاره في هذه المساحة الضيقة، وأيضا من طلاب وخريجي هذه المدرسة الاستاذ أحمد إبراهيم الطاهر، رئيس المجلس الوطني السابق، وهو معروف ومعرف والمعرف لا يعرف، وهو من تلاميذ المرحوم السفير عثمان السيد الذين درسهم في المدارس الحكومية ، هذا علي سبيل المثال لا الحصر، ويمكنني أن أقول وبكل صدق ان جميع خريجي هذه المدرسة العثمانية تقلدوا مواقع دولية ومناصب رفيعة في الداخل والخارج ، وكانوا مثالا للتضحية والفداء ، ولبوا النداء أينما وكلما دعا داعي الفداء.
*وأخيرا ها هي المدرسة العثمانية ترمي بأنبل وأعز السهام عندها وبأحد أبنائها وتلاميذها النجباء البررة لقيادة وزارة الخارجية في هذه المرحلة الحرجة، وهو السفير محي الدين سالم أحمد، ولعمري إنه رجل عجمت عوده الخبرة الطويلة الثرة ، والتجارب القاسية، وأعظمها وأقساها تجربة حصار أديس أبابا من قوات جبهة تحرير شعب تقرايTigray People’s liberation Front TPLFوهي قوات الرئيس الإثيوبي الراحل ملس زيناوي والحاكمة سابقا في أديس أبابا ، وتساندها كذلك قوات جبهة تحرير شعب أريترياEritrean People’s Liberation Front EPLFوهي قوات الرئيس الأريتري أسياس أفورقي والحاكمة الآن في أسمرا.
*نعم والحصار يشتد علي أديس أبابا ، وأنني أحد أفراد طاقم السفارة وأنا علي ذلك من الشاهدين ، ونظام الرئيس منقستو هايلي ماريام يئن ويترنح (وينشف ريقه) من ضربات الحركات المسلحة الموجعة ، ويستغيث النظام الآئل للسقوط ، وليس من فازع يفزعه حتي من صديق الأمس الروس الحليف القوي ، فشل أن يمد يده للنظام الغريق ، وتزيد قوات (الدرق) الإثيوبية قوات منقستو من قبضة الخناق على (حلقوم) السفارة السودانية والتي صارت شبه محاصرة، وذلك لعلمها المسبق أن هذه الحركات المسلحة المناوئة لحكومة الرئيس منقستو لم ولن تستطيع أن تفعل شيئا بدون دعم السودان لها ، والعلاقة بين السودان وحكومة منقستو كانت أوهن من خيط العنكبوت ، والحالة الأمنية اوهن من الوهن نفسه ، والرجل – السيد السفير محي الدين سالم – كان وقتئذ قائما بأعمال السفارة وكان ذلك في العام ١٩٩١م ، وهو يجلس بتؤدة ومهل علي هذه الحمم والبراكين ورائحة الموت تتسرب إليك من كل مكان، والصراع يعلو غباره ويشتد أواره، بين قوات معادية منسحبة وقوات صديقة مقتحمة المدينة ، والسيد القائم بالأعمال بالإنابة ، فعلا قام بالأعمال كما ينبغي وفي تنسيق تام مع قيادة البلاد في ذلك الوقت ، الي حين إنهيار النظام وهروب الرئيس منقستو هايلي ماريام الي هراري – زمبابوي في ٢٨ مايو ١٩٩١ ودخول القوات الفاتحة وأول ما إتخذته القوات الفاتحة من إجراء هو تأمين السفارة بأورطة عسكرية كاملة، خاصة أن كل أعضاء البعثة كانوا قد تجمعوا في بيت السفير وبيت السفير هو داخل مبني السفارة ، تجمعوا وبما فيهم أعضاء الملحقيات الفنية الاخرى، وأشهد أن هذه الفترة العصيبة الحرجة كشفت عن أصالة معدن الرجل وكرمه وشهامته وشجاعته وخبرته وحنكته ودرايته، وظل ممسكا وقائما بأعمال البعثة كلها، إلى حين أن فجت طائرة (السيسنا)الرئاسية سحب مطار أديس أبابا الداكنة وأطلت برأسها من وسط السحب ، كما يطل العصفور الصغير برأسه خارج عشه ، أطلت من بين ثنايا الغمام والغيوم الملبدة في مدارج مطار بولي الدولي، وممر الهبوط يكاد دمعه السائل يوماتي يبلل الخدود النايرة للزهرة الجديدة وباللغة الأمهرية كلمة (أديس أبابا ) تعني (الزهرة الجديدة ) ومع هذا الجمال والسحر في مطار بولي الدولي بأديس ابابا عند الخريف، لكن أي شيء فيه يوحي بالخوف والتردد المبرر لكل طيار غير محترف، لكن بمشيئة الله وكفاءة القائد الملهم تهبط طائرة (السيسنا) بإرتياح وبسلام ، وبعد صراع طويل مع السحب الداكنة الحبلي بالمياه، علاوة علي الجاذبية الشديدة وذلك للطبيعة الجبلية الصعبة للمدينة وصغر حجم الطائرة ، وفعلا تهبط طائرة السيسنا الرئاسية بسلام كأول طائرة أجنبية تهبط بعد هروب الرئيس الإثيوبي منقستو هايلي ماريام ، ثم يلفح هواء المدينة العليل الممطر البارد المحشو بكرات الثلج الصغيرة يلفح محركات طائرة السيسنا فتخمد أنفاسها وأنفاس الجميع ، والجميع يتنفسون الصعداء لأن هذه الطائرة الميمونة تحمل في (حويصلتها) السيد ملس زيناوي رئيس جبهة تحرير شعب تقراي الحاكمة وحكام أديس أبابا الجدد ، والمهمة ليست سهلة ولكن لكل مرحلة رجالها ، وكما الأسد الهصور ينزل من الطائرة الفريق أول ركن طيار المرحوم الفاتح عروة عليه رحمة الله ، ومعه رئيس وقادة جبهة تحرير شعب تقراي ، ثم لاحقا تتشرف الهضبة الإثيوبية بوصول السيد السفير القامة الفاخرة المرحوم عثمان السيد عليه رحمة الله في ٢٥ يونيو ١٩٩١ الي أديس أبابا ، واستلام أعبائه ومهامه كسفير ومفوضا من حكومة السودان لدي أثيوبيا ومندوبا دائما لها بمنظمة الوحدة الأفريقية ، قبل أن تصير إتحاد إفريقي.
*وبعد تناغم شديد وآداء متميز من المستشار محي الدين سالم مع المرحوم السفير عثمان السيد ، وبعد فترة طويلة من العمل الدبلوماسي الهادي الرزين، والآداء الرفيع الممنهج والإستراتيجي مع الأشقاء في الهضبة الإثيوبية، وهذا التعاون اللصيق بين الخرطوم وأديس أبابا، أثمر قمحا وعيشا في أراضي الفشقة، ولم تعد هناك مشاكل بين المزارعين، وهذا التقارب أيضا أثمر أمنا وأمانا وطمأنينة في القلابات والمتمة الحدودية، ولم يعد المسافر من الخرطوم الي أديس أبابا يخشي شيئا غير الله، هذا فضلا عن التنسيق التام والجيد بين وفودنا والوفود الإثيوبية في كافة المحافل الدولية والإقليمية ، والذي أفرز تناغم منسجم تماما في كل الأدوار بين السودان وأثيوبيا، وكذلك تم توقيع عدد غير قليل من مذكرات التفاهم والاتفاقيات الثنائية بين البلدين.
*ثم بعد كل هذا السجل الحافل بالمجاهدات بقيادة الربان الماهر المرحوم السفير عثمان السيد وسفينة العلاقات السودانية الإثيوبية تمخر العباب وتتجاوز الصعاب في عز وشمم ، نعم بعد كل هذا الحراك والعراك الذي أشهد عليه ، وفي أحد المراسي غير القريبة في بحر العلاقات السودانية الإثيوبية ، ينزل السيد المستشار محي الدين سالم ويغادر أديس أبابا منقولا إلى أبوظبي ليكون قائما بالأعمال هناك خلفا للسيد السفير المخضرم المرحوم علي عبد الرحمن نميري عليه رحمة الله ، والذي تم إخطاره بواسطة السلطات الأماراتية لمغادرة البلاد فورا، وكان ذلك بعد خراب العلاقات السودانية الإماراتية ابان حرب الخليج.
*ولقد أختير السفير محي الدين سالم بعناية فائقة لهذه المهمة، وذلك لما يتمتع به من حصافة وحنكة وإقتدار، ووقع عليه الإختيار لتولي بعثة السودان في الإمارات في هذا الوقت المتأزم، وبموجب برقية السيد علي محمد عثمان يس وكيل وزارة الخارجية آنذاك للسيد المستشار محي الدين سالم والتي تنقل له توجيهات رئاسة الجمهورية للسفر فورا الي أبوظبي، وفعلا سافر إلى أبوظبي في العام ١٩٩٢ ليكون قائما بأعمال البعثة هناك ، ولم يخيب ظن قيادة البلاد فيه ، وبعد فترة وجيزة عادت العلاقات والمياه الي مجاريها مع الشيخ زايد وحكومته ،وفي فترته شهدت العلاقات السودانية الاماراتية إزدهارا ملحوظا وتعاونا متميزا في كافة المجالات، وتم تكريمه بوسام الشيخ زايد من الطبقة الاولي إعترافا منهم بالدور الكبير الذي لعبه السفير محي الدين في تنقية شوائب العلاقات بين البلدين وعودتها إلى طبيعتها ، بل علاوة على الوسام الجمهوري ، غنم السفير محي الدين سالم طائرة رئاسيةFALCON900 وذلك بعد أن بذل مساعيه الحثيثة مع الشيخ زايد والتي تمخضت بأن أهدي الشيخ زايد للمشير عمر البشير رئيس الجمهورية السابق طائرة رئاسية ، والتي ما زالت تعمل بالطيران الرئاسي حتى الآن.
*ثم يأتي لاحقا ولإقتناع البلدين السودان والإمارات العربية المتحدة في ذلك الوقت بإمكانيات السفير محي الدين سالم ، والذي صار شبه خيير أزمات ( أثيوبيا – الأمارات ) وفي العام ١٩٩٩ تم نقله مرة أخري للعمل في الأمارات للمرة الثانية كسفير للسودان هناك وشهدت العلاقات تطورا ممتازا أكثر مما كانت عليه وكان موضع إشادة من البلدين.
*السفير محي الدين سالم تم تعيينه في وزارة الخارحية قبل نحو عشر سنوات من مجيء ثورة الإنقاذ الوطني الي سدة الحكم، وعمل في كل من موسكو ، دمشق ، الكويت ، مرتين في أديس أبابا، ومرتين في الأمارات العربية المتحدة، وفي كل هذه المواقع كانت له بصمته الواضحة، وتمكن من بناء علاقات قوية بين السودان وبين تلك الدول ، خاصة في كل من دولة الكويت والإمارات العربية المتحدة وأثيوبيا، رجل يحتفظ بكل هذا الإرث الضخم من المعرفة والخبرة الطويلة الممتازة والعلاقات الدولية الممتازة حريا به أن تختاره الكراسي ولا يختارها هو.
*وإن بقي شيء أقوله فأقول : إن كان وراء كل عظيم إمرأة ، فأقول وبكل ثقة تقف وراء السفير محي الدين سالم أكثر من إمرأة ، تقف خلفه والدته الحاجة فاطمة إبراهيم – عليها رحمة الله – والتي أعدته لهذا ولغير هذا ، وهو ما زال يتفيأ ظلال دعواتها المباركات بدليل أنه الآن لم يأتينا من بيته ولا من “كنبة الإحتياطي، بل أتانا من رئاسة مكتب إقليمي قاري كامل الدسم والمخصصات، وكذلك تقف خلفه أيضا زوجته الدكتورة إحسان حسين بابكر نائبة رئيس ديوان الحسبة والمظالم، بت الناظرالتي خلقت له مناخ وبيئة صحية جيدة للإبداع فأبدع ، او كما يحلو للمرحوم السفير عثمان السيد مناداتها دائما ب “بنت الناظر وفعلا في بيت النظارة والضيوف ترعرعت وتربت في بيت خالها الناظر منعم منصور ، وذكر هذا الاسم مجرد من أي رتوش وفي أي محفل فهو دائما يعني “جملة مفيدة وتامة ولا تحتاج لشرح وإن كان لابد من شرح فنقول، السيد منعم منصور هو سيد الساحة الفسيحة ، ودراج العاطلة والكسيحة ، سيد الفهم والقلم ، ولا يذكر الإقتصاد او وزراء المالية إلا وتبرز صورته من بين الصور، ويلوح إسمه ساطعا من بين الأسماء، وفي داره بدار حمر تحتشد النظارة الحقيقية بكل معانيها.
*ويشرفني أن أقول إنني أيضا من تلاميذ هذه المدرسة العثمانية العريقة المعتقة والتي مازلنا نستقي ونتساقا كؤوس ينابيع حبها وجمالها وعلمها وأدبها بيننا في فخر وإعتزاز كلما إلتقينا، فهم أصدقاء وشركاء الزمن الجميل المعتق ولله درهم، وإنني تشرفت وسعدت بالعمل مع كل خريجيها ، ومنهم علي سبيل المثال السفير عبد المحمود عبد الحليم ، والسفير محي الدين سالم، وهم الذين أثروا حياتي بكل هذه المعاني الجميلة السامية، والذين خلقوا لدي الوجدان السليم لتذوق طعم الحياة من حولي في جمال وألق باهي والحمد لله رب العالمين.
*وفي مقالي القادم عن المرحوم السفير عثمان السيد إن شاء الله سوف أتعرض بالتفصيل لكل خريجي هذه المدرسة من السفراء والدبلوماسيبن والاداريين وضباط الاتصالات وضباط اللاسلكي والملحقين الماليين إن شاء الله
*قبل الختام : ( رسالة في بريد السيد الوزير) توكل على الله فهو حسبك ، وأمتثل أمره حيثما أمرك، فأفعل ما يرضي الله ورسوله في أهلك ووطنك ، وأفعل ما يرضي نفسك ويريح بالك ، وأعلم انك سوف لن تستطيع أن ترضينا جميعا ولو حرصت ، وأعلمك إننا سوف لن نستطيع أن نرضي عنك جميعا ولو حرصنا. مع تمنياتي لكم بالتوفيق وما التوفيق إلا من عند الله