آخر الأخبار

غزة… عودة الأرواح إلى التراب المقدّس

 

بقلم د. إسماعيل الحكيم

Elhakeem.1973@gmail.com

كأنها القيامة الصغرى، حين تتزاحم الأرواح عائدةً إلى مواطنها الأولى، إلى الأرض التي شهدت الألم واحتضنت الصمود. من كل فجٍّ عادوا، رجالاً ونساءً، أطفالاً وشيوخاً، يحملون ما تبقّى من متاع الدنيا، ويضعون في قلوبهم ما لا تُحصيه الموازين من حبٍّ وإيمانٍ ووطنيةٍ راسخة.

إنه مشهد العودة إلى غزة… زرافاتٍ ووُحداناً، كأنهم حجاجٌ أفاضوا من عرفة إلى مزدلفة، تغشاهم سكينة، وتعلو وجوههم أنوار الرجاء، رغم الدمار، رغم الرماد، رغم الجراح.

غزة اليوم ليست  مدينةٍ مكلومة فحسب إنها قضية الإنسان حين يتمسك بحقه في الحياة على ترابه، ولو صار التراب ركاماً. لقد عاد أهلها إلى بيوتهم التي تهدمت، إلى الأزقة التي طمسها الغبار، إلى البحر الذي ظل شاهداً على مآسيهم وأمانيهم. عادوا ليقولوا للعالم نحن لا نهرب من أوطاننا، نحن نُعيد بناءها بأيدينا، وبدموعنا، وبأرواح شهدائنا.

إن هذا الرجوع، بكل ما فيه من شقاءٍ وتعبٍ، ليس مجرد عودةٍ إلى مكان، بل هو عودة إلى المبدأ… مبدأ الإيمان بأن الوطن لا يُقاس بسلامة طرقه ولا بجمال مبانيه، بل يُقاس بمدى ما يسكن في القلوب من حنينٍ إليه، وثقةٍ بوعد الله أن “لَيُمَكِّنَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ”.

لقد كانت ابتسامات الفرح التي علت وجوه العائدين علامةً فارقةً لا تخطئها العين؛ وجوه أرهقها النزوح ولكنها أشرقت ببريقٍ من رضا الله وأمل الغد. لم يَحملوا رايات الحزن، بل حملوا رايات الإرادة، وأعلنوا بصمتهم الصارخ لن نغادر غزة… سنُعيد إعمارها كما تُعيد الروح الحياة للجسد.

في عودتهم معنى الوفاء للشهداء، ومعنى العهد الذي لا يُنقض، ومعنى الوطنية الصادقة التي لا تُشترى بشعاراتٍ ولا تُباع بوعدٍ زائف. حبّهم لغزة يشبه حبّ النبي صلى الله عليه وسلم لمكة، تلك البلدة التي أُخرج منها فقال

> “والله إنكِ لأحب بلاد الله إليّ، ولولا أن قومكِ أخرجوني منكِ ما خرجت.”

فكذلك الغزيّون، لم يُغادروا إلا قسراً، وعادوا طوعاً، حبًّا، وإيماناً، وعزيمةً لا تلين.

غزة اليوم لا تُشيّع الهزيمة، بل تستقبل فجر الانتصار القادم، وتزرع في أنقاضها بذور الحياة. ومن بين الركام، تصعد ابتسامة الطفل، وسجدة الأم، ودمعة الشيخ لتقول للعالم

> هنا أمةٌ لا تموت، وهنا وطنٌ لا يُمحى، وهنا وعدُ الله يقترب.