الممرضون والممرضات.. (ملائكة رحمة) ام (ملائكة عذاب)؟(3 ــ 3)
- التحقيق التالي يحاول الإجابة على هذا السؤال..
- الرعاية التلطيفية أحدث صيحة في مهنة التمريض
- نقص الكوادر والتدريب وتدني بيئة العمل أبرز التحديات التي تواجه التمريض في السودان
- منظمة الصحة العالمية:العالم يحتاج إلى 9 ملايين ممرض وممرضة بحلول عام 2030
تحقيق ــ التاج عثمان
كانت مهنة التمريض في السابق من أرفع المهن في السودان ينظر إليها بالكثير من التجلة والإحترام لدرجة أطلق على العاملين فيها من ممرضين وممرضات بـلقب (ملائكة الرحمة).. لكن للأسف خلال السنوات الماضية قبل الحرب ــ حتى لا نضع الحرب شماعة ــ تغير مفهومها كثيرا وأصبح ينظر إليها البعض بشئ من الإستخفاف والذي يصل لمرحلة الإزدراء والإستهجان خاصة بعض الممرضين والممرضات الذين يعملون بالمستشفيات الحكومية والذين وصفهم البعض بـ(ملائكة العذاب) وليس (ملائكة الرحمة) لتصرفات خاطئة كثيرة يرون أنها تبدر منهم.. فهل ذلك ينطبق عليهم فعلا؟.. وما هي الأسباب والعوامل التي تسببت في تدني مهنة التمريض في السودان والذي كان رائدا في هذا المجال على كل الدول العربية والأفريقية؟.. التحقيق التالي يناقش هذه القضية المهمة من كافة جوانبها وأبعادها ونهدف في النهاية وضع الأسس لترقية هذه المهنة الإنسانية المهمة
المعايير العالمية للتمريض:

تدني مهنة التمريض بدأت منذ سنوات طويلة ولم تبدأ في يونيو 2023 تاريخ إندلاع القتال في الخرطوم، ولذلك لا يجب تبرير تدهورها على الحرب والتي أصبحت شماعة تعلق عليها الإخفاقات المختلفة.. وتأكيدا على ذلك، نعود لعام 2021 أي قبل إشتعال حرب الخرطوم بحوالي السنتين.. ففي يناير 2021 اقام القطاع الصحي دائرة التمريض بأمانة الشباب لحركة المستقبل للإصلاح والتنمية بالخرطوم، ندوة تحت عنوان: (مهنة التمريض.. هل يهدد وضعها الرعاية الصحية في السودان؟).. وكان من ضمن المتحدثين في تلك الندوة المهمة، د. إمام الدين محمد أحمد الفكي، والذي كشف حال مهنة التمريض وقتها، وأكرر الندوة عقدت قبل أكثر من سنتين من الحرب، إذ قال:
” مهنة التمريض من القضايا الملحة والعاجلة التي يجب ان تعطى الأولوية، لأن العمل التمريضي هو عصب الخدمات الصحية.. فالتمريض في السودان يحتاج إلى وقفة ورعاية خاصة، وتأهيل إضافي لوجود مهددات كثيرة وكبيرة جدا تؤدي إلى تدني التمريض، وبالتالي تهدد الرعاية الصحية في السودان.. وأهم هذه التحديات تلك التي تواجه تعليم التمريض والمتمثلة في، عدم حداثة المناهج فهي مناهج قديمة، وحتى التحديث الذي يتم فإنه لا يأخذ في حسبانه إعتبار المعايير والإتجاهات العالمية في تعليم التمريض”.
رئيسة قسم التمريض:
كنت حضورا لندوة قبل الحرب نظمتها وزارة الصحة ولاية الخرطوم، قسم التمريض بمناسبة اليوم العالمي للتمريض، كشفت وزارة الصحة من خلال تلك الندوة المهمة تحديات تواجه مهنة التمريض سنتطرق لها لاحقا.. في.. اما رئيس قسم التمريض والقبالة بوزارة الصحة ولاية الخرطوم وقتها، طيبة محمد جبارة، فقالت من خلال اليوم العالمي للتمريض بقاعة المرحوم د. عبد الرحمن العشا، بوزارة الصحة ولاية الخرطوم، والذي دعاني لحضور تلك الندوة، قالت رئيس قسم التمريض والقبالة في تلك الندوة: ” أبرز التحديات التي تواجه مهنة التمريض يتمثل في قلة فرص التدريب بالداخل والخارج، وتدني بيئة العمل، والنقص في الكوادر التمريضية”.
نشير ان العالم يحتفل باليوم العالمي للتمريض في الثاني عشر من مايو من كل عام، وهو يصادف ذكرى رائدة التمريض الحديث، (فلورنس نايتنجيل)، والتي إشتهرت بتحسين معايير النظافة والرعاية الصحية خلال حرب القرم، حيث ساعدت بشكل كبير في تقليل معدلات الوفيات بين الجنود عبر تطبيق أساليب تمريضية علمية وإنسانية حديثة، ويهدف الإحتفال تسليط الضوء على الدور الحيوي الذي تلعبه أطقم التمريض في المجتمع وتقديرا لجهودهم وإسهاماتهم القيمة في مجال الرعاية الصحية.. وتم إختيار شعار: (رعاية الممرضات تعزز الإقتصادات)، شعارا لإحتفالات اليوم العالمي للتمريض عام 2025.
تمريض الرعاية التلطيفية:
التمريض في العالم تطور تطورا كبيرا فأصبح كالطب لديه تخصصات مختلفة، منها على سبيل المثال وأغربها، (تمريض الرعاية التلطيفية)، والذي يعد أحدث صيحة في مهنة التمريض، وهو بإختصار التمريض الخاص بتقديم رعاية نهاية الحياة، حيث يتعامل مع الحالات المرضية المتأخرة الميؤوس من شفائها ولا يوجد بصيص أمل لنجاتها من الموت، والأعمار بيد الله.. ومن تخصصات التمريض الأخرى تمريض: (التخدير ــ العناية المركزة ــ الباطنية والجراحة ــ مرضى السرطان ــ مرضى الفشل الكلوي ــ الأطفال ــ صحة المجتمع ــ الطفولة ــ الأمومة).. جميعها تخصصات تمريضية أصبحت شائعة بدول العالم المختلفة، فأين قطاع التمريض السوداني منها؟.
وحسب منظمة الصحة العالمية فإن العاملين بالقطاع الصحي في مجال التمريض بالعالم يشكلون نسبة 50 في المائة من القوى العاملة في المجال الصحي، ونسبة النساء العاملات في مجال التمريض حول العالم تشكل 7 في المائة من جملة الممرضين الذكور.. وان القطاع الطبي في العالم في حاجة لنحو 9 ملايين ممرض وممرضة لحلول عام 2030 أي بعد 5 سنوات فقط من الأن.. وهناك عجز كبير في عدد الممرضين والممرضات في العالم خاصة في قارة افريقيا وجنوب شرق اسيا، مشيرة انه على الدول المختلفة العمل جاهدة على سد هذه الفجوة التمريضية بدولهم، حيث ان 60 في المائة من رعاية المرضى والعلاج يقوم بها الممرضين والممرضات.
إصلاح حال التمريض:
أخيرا.. حسب المختصين، فإن إصلاح حال التمريض وحالته المتردية الراهنة حاليا في السودان خاصة بعد الحرب، يتطلب من وزارة الصحة الإتحادية ومثيلاتها الولائية بالولايات المختلفة وضع خطة متكاملة لإنتشال مهنة التمريض من الزوال وجعلها أكثر جاذبية بزيادة المرتبات والحوافز، وتحديث المناهج حتى تواكب الطفرة العلمية الهائلة التي حدثت في مجال فنون التمريض.. وتوفير الفرص لتخصص الممرضات والممرضين في المجالات الطبية المختلفة التي ذكرناها في سياق التحقيق.. وعلى وزارتي الصحة والتعليم العالي الاهتمام بمهنة التمريض وتقييمها وزيادة رواتب الممرضين والممرضات.. والإهتمام ببيئة عملهم بتحسين ساعات العمل، وعلى وزارة العمل تحديد ساعات عملهم القانونية وإلزام المستشفيات بها.. وسد النقص في الكوادر التمريضية وتحسين أوضاعهم الوظيفية والمادية.. وضرورة إجراء القياسات الدورية للمعرفة والتطبيق.. وتطبيق الإطار المعرفي الأخلاقي والشرعي والتنظيمي للتمريض.. وإستخدام المعايير المهنية لممارسة التمريض بطرق علمية منظمة لرفع مستوى الأداء المهني التمريضي.. ومحاولة التخلص من نظام تعيين الممرضين والممرضات بما يعرف بالتعاقد، والذي كما صرح لي أحد المختصين والمهتمين بالتمريض في السودان، انه يعد من الأسباب التي أدت إلى تدهور الخدمات التمريضية.. بجانب ضرورة سد النقص الكبير في أساتذة التمريض بمؤسسات تعليم التمريض المختلفة ومدارس التمريض بتأسيس مدرسة او معهد للتمريض بكل ولاية.