
لآلئ بأقلامهم (25)لاعب الشطرنج (للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ) (ف)
صمت الكلام
فائزة إدريس
*وهذه المرة، في يوم الخميس الموافق 27 يوليو، طال الانتظار أكثر من المعتاد؛ حيث امتد لساعتين كاملتين ظللت خلالهما واقفاً في الغرفة على قدمي.
*أتذكر التاريخ بدقة؛ حيث إن غرفة الانتظار – كان الجلوس محظوراً فيها بالطبع – التي وقفت فيها كل هذه المدة حتى شعرت بقامتي تقصر، كان فيها أجندة تقويم معلقة. لا يسعني أن أصف مدى نهمي لرؤية شيء مكتوب، شيء مطبوع، مما دفعني أن أحملق وأحملق في الرقم والكلمات القليلة (27 يوليو) على الحائط حتى حفرت في ذهني. ثم عدت للانتظار؛ انتظرت وأنا أنظر إلى الباب متسائلاً متى سيفتح، وفي الوقت نفسه أفكر في الأسئلة التي قد يوجهها إلى المحققون هذه المرة، رغم أنني أعلم أنهم سيسألونني شيئًاً مغايراً تماماً عما أعد نفسي له. ومع كل ذلك، كان في عذاب الانتظار والوقوف راحة ومتعة أيضًاً؛ لأنني في غرفة غير غرفتي، فهي أوسع وبها نافذتان بدلاً من نافذة واحدة، وليس بها سرير أو حوض وليس في الإطار الخشبي للنافذة هذا الصدع الذي تأملته ملايين المرات. كما أن طلاء الباب كان مختلفاً، وكذلك الكرسي الذي كان موضوعاً على الحائط، وعلى الجانب الأيسر كان هناك خزانة بها ملفات وحجرة معاطف مع ثلاث أو أربع شماعات معلق عليها سترات عسكرية مبللة، إنها سترات جلادي.
*إذن، أخيراً وجدت عيني المشتاقة شيئاً جديداً، شيئاً مختلفاً لتتفقده، فتشبثت بكل التفاصيل. أخذت عيني تتأمل المعاطف بكل ثنية في قماشها، ولاحظت مثلاً قطرة على الياقة، فانتظرت – أعلم أنك ستسخر مني – لأراقبها بتلهف لأرى إذا كانت ستنزلق من الثنية أم أنها ستصمد أمام الجاذبية الأرضية وتظل عالقة لمدة أطول. نعم بقيت أنظر وأنظر لدقائق إلى هذه القطرة، وأنا أكتم نفسي كأن حياتي معلقة بها. وأخيراً بعد أن سقطت انتقلت لأعد الأزرار على كل معطف ثمانية على الأول والثاني وعشرة على الثالث، ثم عدت لأقارن زركشة الأكمام. كل هذه التفاصيل الصغيرة كانت تداعبها عيناي وتلامسها وتحاوطها بنهم، لا أستطيع أن أصفه، ثم فجأة تسمر نظري. اكتشفت جيب معطف به شيء جعل شكله منتفخاً. اقتربت وبدا لي أن ثمة مستطيلاً يبرز من هذا الجيب، إنه کتاب! ارتعشت ركبتاي: کتاب! لم المس بيدي كتاباً منذ أربعة أشهر، ومجرد تصور وجود کتاب به کلمات مرصوصه وسطور وصفحات وأوراق، كتاب أطلع فيه على أفكار أخرى جديدة ومختلفة، تُصرف بالي عما يشغلني، أتابعها وأتناولها بالفكر، كان له مفعول مثير في الوقت ذاته…(يتبع).)
نهاية المداد:
الشر يهدم نفسه بنفسهِ
(برتراند راسل)