الذكاء الرقمي أداة إنقاذ… تعزيز الاستقرار والخدمات في الدول المأزومة
م. أسامة يوسف فضل الله
*الدول التي تعاني من الحروب وعدم الاستقرار السياسي يكون ضعف المؤسسات، وقلة الموارد، وسوء التنظيم الإداري نتيجة طبيعية، بالإمكان أن تصبح التقنية وسيلة لتعويض النقص البشري والتنظيمي وخلق نُظُم بديلة أكثر كفاءة وشفافية واستقلالاً. نناقش فيما تبقى من المقال كيف يمكن للتقنية أن تقدم فيها بعض الحلول.
*إذا تناولنا مبدئياً قلة الموارد وهي إحدى مشاكل الحرب.. وعدم الاستقرار الرئيسية تنتج تراجعاً في الإنتاج ممَّا يترك أثراً مباشراً على إيرادات الدولة وبالتالي يؤثر سلباً على ميزانيات الصرف، بالإضافة إلى صعوبة جذب الاستثمار. بإمكان التقنية المساهمة في الحل عبر عدة وسائل. منها
التحول الرقمي للخدمات الحكومية الذي يُقلِّل تكاليف التشغيل، مثل التحصيل الإلكتروني للرسوم بدلاً عن المكاتب الورقية. و مثال لذلك إنشاء بوابة إلكترونية للضرائب أو الجمارك توفر ملايين سنويًا. في بعض الدول مثل البحرين ذكرت التقارير أنها نفَّذتْ أكثر من 10 مليون معاملة حكومية إلكترونيا خلال العام 2023 , الأمر الذي خفض تكلفة التشغيل بحوالي 85% للحكومة. وفي تقرير الحكومة الأستراليه أنَّ تكلفة عملية واحدة إلكترونيا يعادل تكلفة 16 عملية عبر الهاتف و32 عملية عبر البريد و42 عملية وجهاً لوجه.
*الحوسبة السحابية ومراكز البيانات: تُمكّن الحكومة من تخزين البيانات وتشغيل الأنظمة دون الحاجة لبنية تحتية مكلفه لكل جهة حكومية بصورة منفصلة. الكثير من الدول انتقلت من مراكز البيانات المتعددة للمؤسسات الحكومية إلى مراكز بيانات مركزية مثل سنغافورة التي تتحدث عن تخفيض في تكاليف التشغيل وصلت إلى 50% . أمَّا جارتنا المملكة العربيه السعوديه فتتحدث أيضا عن نسبه 30 إلى 50% توفير.
*التمويل الرقمي والشمول المالي: عبر المحافظ الإلكترونية، يمكن توصيل الدعم أو الرواتب للفئات المستهدفة مباشرة دون وسطاء. نعاني في السودان من أن حَمَلة الحسابات البنكية يكاد لا يصل إلى 4% من السكان . و مع انتشار كبير لأسواق المال و التحويلات خارج النظام المصرفي تضيع الكثير من أموال المستحقين في مسارات السمسرة و الوسطاء . تقول الدراسات: التحول الرقمي المالي في كينيا عبر مشروع M-PESA أخرج أكثر من 194 ألف أسرة من دائرة الفقر و أدى إلى انخفاض الفقر بنسبة 2% . و تجدر الإشارة إلى أنَّ المستحقين يوفرون ما بين 30 إلى 70% من نسبة مبالغهم التي كانت تضيع في المسارات غير الرسمية.
*الطاقة الذكية: استخدام أنظمة المراقبة الذكية للطاقة والمياه يقلل الهدر بنسبة قد تصل إلى 30%.. باتت التقنية الحديثه المستخدمة في بناء المدن ضمن أهدافها الأساسية تخفيض تكاليف الطاقة و استغلالها بالشكل الأمثل .. اتجهت الدول لبناء المدن الذكية مثل مصر و السعوديه و غيرها من دول الإقليم .. فالأولى بالمدن التي دمرتها الحرب أن تقوم على أسس ذكية. استخدام تقنيات المدن الذكية تُخفِّض استهلاك الطاقة بين 20% إلى 35% . واستهلاك المياه بنحو 25% , وهي تُمكّن المستخدمين والحكومة من مراقبة الاستهلاك الفوري وتقليل الفواتير المهدرة وهو ما نحن في أمس الحاجة له. بالإضافه إلى الفوائد الأخرى من تحسين الأداء البيئي.
*ومن أكثر معوقات البناء المتاثرة بعدم الاستقرار هو هيكلة المؤسسات والتنظيم الإداري الفعال.. حيث تكمن مشاكل متعددة مثل البيروقراطية، تضارب الصلاحيات والمصالح، الذي يؤدي إلى فقد المعلومات وتراكماتها ومن ثم غياب قواعد البيانات المركزية التي تساعد الدولة في القرارات الاستراتيجية والتوجيه نحو الأهداف.
*وإذا ألقينا نظرة عن كيف يمكن أن تساعد التقنية في حل مثل هذه المشكلات.. فسنجد أن
اولاً عمل الأنظمة المؤسسية (ERP): تساعد في توحيد الإجراءات بين الوزارات والجهات الحكومية. و تخلق سلسة عمل هدفها إنجاز العمل غض النظر عن أي تغيير يحدث داخل الهيكل الإداري للمؤسسة . و يراكم الخبرات و المعرفه.
*ثانياً الهوية الرقمية الوطنية للأفراد و المؤسسات فهي توحد الوصول للخدمات وتمنع الازدواجية في السجلات. و تسهل عمليات الإجراءت و تحديدها
ثالثاً أنظمة إدارة الأداء الحكومي (e-Governance): تعكس الشفافية وتحاسب المؤسسات على الأهداف الرقمية المحددة.
*ونجد أن تكامل جميع هذه الأنظمة و الأدوات التقنية تعمل على تراكم معلومات هائلة للموسسات العليا و توفر لوحات البيانات (Dashboards): تعطي صانع القرار رؤية فورية ودقيقة للوضع الإداري والمالي.
*أيضا من المشاكل التي يجب الانتباه إليها قلة وندرة الكفاءات العامة، وهي نتيجة هجرة العقول وضعف التدريب وعدم تراكم الخبرات. ويمكن للتقنية المساهمه عبر العديد من الحلول.. حيث يجب تحليل الأنظمة المستخدمة عبر خبراء وطنيبن وبيوت خبرة ويجب أن تستثمر الحكومة في هذا المجال الاستثمار المبدئي وهو عائد وراجح في مصلحتها وفي أدائها للمدى القصير قبل البعيد.. عمل الخبراء على هذه الأنظمة يوفر الكثير من الخبرة والمال الذي يمكن أن يهدر في التجريب والخطأ والتصحيح، ويتطلب من الجهات والمؤسسات فقط المتابعة التنفيذية الدقيقة من غير الحوجه للخبره التخصصيه بنفس القدر. ويجب أيضا العمل على منصات التعليم الإلكتروني حيث تتيح التدريب المهني والإداري دون الحاجة لمراكز تدريب مادية و تكاليف عاليه متجدده. التعلّم الآلي والذكاء الاصطناعي: يمكنه دعم الموظفين في اتخاذ القرارات (مثل التوصية بالسياسات أو تحليل البيانات) وذلك بالاستعانة بالأنظمة الذكية (مثلاً الذكاء الاصطناعي في التخطيط العمراني أو الزراعة الذكية) التي تقلل الاعتماد على الخبرات البشرية النادرة.
*ختاما دعنا نلفت النظر إلى عملاق التقنية المتقدم الذكاء الاصطناعي وأثره البارز في تسريع التنمية. حيث تساعد تقنيات الذكاء الاصطناعي في العديد من المجالات منها التحليل التنبؤي: لتوقع احتياجات الغذاء أو الطاقة أو التعليم، التخطيط الذكي: في البنية التحتية، عبر تحليل بيانات الأقمار الصناعية والسكان. اأو حتى عبر الزراعة الدقيقة التي تساعد في تحديد أنسب أوقات الري والزرع لتقليل الهدر وزيادة الإنتاجية. وكذلك أثرها البالغ في الصحة حيث تعتبر الصحة الرقمية حيث الكشف المبكر عن الأوبئة وتوجيه الموارد الطبية حسب البيانات إحدى موجهات الدراسات العالمية في هذا المجال.
*إن التجارب العالمية والإقليمية تُثبت أن التحول الرقمي، والحوسبة السحابية، والشمول المالي، والطاقة الذكية، وأنظمة الإدارة الإلكترونية ليست حلولاً نظرية، بل أدوات عملية تحقق وفورات حقيقية وتعيد الثقة في قدرة الدولة على تقديم الخدمات بكفاءة وعدالة. كما أن الاستثمار في البنية التقنية والمعرفة الرقمية هو استثمار في الاستقرار والحوكمة قبل أن يكون في الاقتصاد.
*وبذلك يمكن القول إن إعادة بناء الدول المأزومة لا تبدأ من الإسمنت والمباني فقط، بل من الكود والبيانات والأنظمة الذكية التي تُعيد تنظيم المجتمع وتمنحه قدرة على النهوض الذاتي. فالتقنية ليست مجرد وسيلة مساعدة، بل ركيزة إنقاذيه قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص، والمجتمعات المُنهَكة إلى كيانات رقمية نابضة بالحياة والفاعلية.