آخر الأخبار

بوصلة السيادة… السودان بين دعم الأشقاء ورفض التدخل

شيء للوطن

م.صلاح غريبة

 

*يشهد المشهد السوداني، الذي مزقته آلة حرب لا رحمة فيها، تحولات سياسية وإعلامية تعكس عمق الأزمة وضرورة الحسم الوطني. وسط هذا الخضم، يبرز صوت موحد من الخارج، هو (تجمع السودانيين الشرفاء بالخارج)، حاملاً لواء الموقف الرافض لأي تسوية تكرس الهشاشة أو تبيح التدخل.. لقد جاءت التطورات الأخيرة لتؤكد أن القضية السودانية لم تعد شأناً داخلياً فحسب، بل هي نقطة تقاطع لمصالح إقليمية ودولية، يتوجب فيها على القوى الوطنية أن ترسم حدودها بوضوح لا لبس فيه.

*في هذا السياق المعقد، يرحب التجمع بتصريحات ومواقف وُصفت بأنها داعمة للجيش السوداني والسيادة الوطنية، ومنسوبة تحديداً إلى خادم الحرمين الشريفين والأمير محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.. هذا الترحيب ليس مجرد مجاملة دبلوماسية، بل هو اعتراف بأهمية الدعم السياسي الدولي الذي يصب في مصلحة الدولة السودانية ومؤسساتها العسكرية، القوات المسلحة السودانية، والقوات المشتركة، والقوات والكتائب الصديقة ومجموعات المستنفرين في مواجهة الغزو الإماراتي ودعمها لـ مليشيا الجنجويدية.

*إن جوهر الموقف الذي يتبناه (تجمع الشرفاء) هو التمسك الثابت بـ (لا) القاطعة: لا تفاوض مع المليشيا، ولا مكان لأي تسوية سياسية تعيد إنتاج الوجوه والقوى التي كانت جزءاً من الكارثة، في إشارة صريحة إلى قوى (قحت).. هذا التشدد ليس تمنعاً سياسياً، بقدر ما هو إدراك عميق بأن التفاوض مع طرف يقاتل لتقويض الدولة وتجزئة التراب الوطني، هو تفاوض على كرامة وسيادة الأمة. إن الحل، وفقاً لهذا التجمع، لا يمكن أن يكون إلا عبر منبر جدة كمرجعية وحيدة للحل، وإيمان راسخ بأن الجيش هو الضامن لوحدة البلاد وحامي ترابها.

*التحرك الشعبي الذي يدعو إليه التجمع، بتنظيم وقفات أمام السفارات السعودية وتقديم مذكرات شكر، هو خطوة بالغة الأهمية. إنه يمثل إخراج الموقف الوطني من دائرة البيانات المغلقة إلى فضاء الحراك الشعبي الواسع، مؤكداً بذلك على مبدأ (جيش واحد شعب واحد).. هذا الحراك يُرسل رسالة واضحة للمجتمع الإقليمي والدولي: الشعب السوداني بكياناته الوطنية الحرة يقف خلف مؤسسته العسكرية، ويرفض أي محاولات لفرض أجندات خارجية سالبة تهدد سيادته.

*في الختام، إن السودان اليوم يقف على مفترق طرق بين استعادة كرامته ووحدته، وبين الانزلاق نحو مزيد من الفوضى والتبعية.. إن الدعوة إلى التمسك بخيار السيادة الوطنية هي البوصلة الوحيدة التي يمكن أن تقود البلاد إلى بر الأمان. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بتضافر الجهود الوطنية، المدعومة بمواقف إقليمية ودولية صادقة، تضع مصلحة الدولة السودانية ووحدتها فوق كل اعتبار. على جميع الوطنيين أن يلتحموا حول هذا الخيار، لأن تاريخ السودان ومستقبله يُكتب الآن على أيدي أبنائه الشرفاء.