
أحياء كأنهم أموات
بعد .. و .. مسافة
مصطفى ابوالعزائم
*العنوان أعلاه لمقال كتبه الصحفي والكاتب السعودي اللامع الأستاذ مشعل السديري، في صحيفة عكاظ قبل فترة، وهو ممن تستهويني كتاباتهم، لما فيها من عمق مع السخرية وخفة الظل ورشاقة الكلمة، وقد سبق أن أشرت إلى ذلك، ووجدت اليوم هذا المقال المؤثر، فرأيت أن أشرك معي القارئ الكريم فيه، وهو حول موضوع إجتماعي مهم وخطير، ولا أريد أن أطيل، إلى ما كتب الأستاذ مشعل السديري:
*أصابني شيء من الحزن عندما قرأت تصريحا للمؤرخ والخبير الإجتماعي (عبد الله بالعمش)، الذي أشرف على (دار رعاية المسنين) في مكة لمدة ثماني سنوات، وجاء فيه:
*إنها أمور تدعو للعجب، من تصرفات بعض البشر، الذين يقابلون حنان الأبوة بقسوة، فهم يلفظون آباءهم وأمهاتهم ليعتني بهم آخرون، حيث يحولونهم دون أن يرف لهم طرف إلى دار العجزة والمسنين.
*ويمضي بالعمش قائلاً: لو حولنا الأشجار إلى أقلام، لن تكفي لشرح قسوة بعض الأبناء على آبائهم، والله لم تغب عن خاطري دموع المسنين والمسنات التي لم تجف يوماً، ولم تعرف الفرح حتى في أيام الأعياد، وهم جميعا يشكون حالهم مما أصابهم من ويلات بطش أبنائهم، الذين يسكنون منازل فارهة، ويشير إلى أن شريحة من سكان الدار كانوا أغنياء ومن بيوت معروفة ، إلا أن جور الأبناء وضعهم في هذا المكان.
*وهذه المواقف (العقوقية) السافلة ليست موجودة عند شريحة معدومة الضمير في بلادنا فقط ، ولكنها قد تكون في بلاد أخرى كذلك.
*فعلى سبيل المثال : عندما توفيت الأمريكية (جاين كونونغ) وكانت جدة لسبعة أجيال، فلها ثلاثة عشر ولداً وإثنان وخمسون حفيداً ومئة وثمانية وثلاثون إبن حفيد، وغيرهم.
*ورغم هذا الحشد الهائل، ماتت وحيدة في (دار العجزة) دون أن يلتفت لها أحد منهم.
*وأفضل منها حظاً هو المناضل الهندي العجوز (جايا براكاش) الذي رثاه رئيس الوزراء وقتها عام (1979
وكان تأبيناً مؤثراً وأجلت بسببه جلسة البرلمان علامة الحداد، ونكست الأعلام في كل البلاد، إنتشر النبأ في كل شبه القارة الهندية، وبثت محطة الإذاعة الوطنية موسيقى من وحي المناسبة، وأغلقت المدارس والمتاجر أبوابها، وإلتزمت الأمة الهندية بأسرها الحداد لأكثر من ساعة.
*وكان الذي صدم من هذه الإحتفالية (الدرامية) هو (براكاش) نفسه الذي كذب الخبر وهو ما زال حياً وقابع كالجرذ في إحدى دور العجزة.
*بعدها إعتذر رئيس الوزراء علناً على ذلك الخطأ، غير أن (براكاش)، رد عليه قائلا: إنني أشكر (الخطأ)، الذي أظهر أقاربي وحكومتي على حقيقتهم، لا أريد منكم تأبينا في مماتي ، يكفيني هو النكران والتأبين الذي لقيته منكم في كل يوم من أيام حياتي- إنتهى.
*هل تصدقون أنني بعد ذلك بدأت أتعاطف مع بعض الثقافات ، بما في ذلك هنود أمريكا الوسطى في العصور القديمة ، حيث كانت العائلة ، إذا رزقت مولوداً ، تحيط به مولولة على البؤس الذي سوف يهبط عليه خلال وجوده على الأرض ، معدّدة كل المصائب التي تهدد البشرية ، أما إذا حل به الموت ، فكان الأحياء يبتهجون ويحسدون الميت الذي كانوا يرونه قد غادر دنيا الشقاء إلى السعادة الأبدية.
الشيء الذي لم أستسغه ، هو أنهم في بعض الأحيان ، لا يتورعون من أن يلحقوا بالفقيد الزوجة المفضلة من زوجاته – أي يقتلونها – كي تتمكن من مرافقته للنعيم.
*ونتج عن هذه العادة الذميمة ، أن كل زوجة تحاول بقدر ما تستطيع أن تنكد على زوجها في حياته لكي لا تكون هي المفضلة.
نقلاً عن صحيفة عكاظ