
مشروع الجزيرة والعروة الشتوية.. بين الواقع والطموح
قبل المغيب
عبدالملك النعيم أحمد
*مشروع الجزيرة وإمتداد المناقل هو المشروع القومي الأول الذي يرجع تاريخ إنشائه للعام 1925م…أكبر مشروع يعتمد على الري الإنسيابي ويدار بإدارة واحدة.
*والحديث عن مشروع الجزيرة ذو شجون كما نقول وهو حديث يطول إذ أنه المشروع الذي إحتوى كل أهل السودان ووجد كل من حطت رحاله أرض الجزيرة المعطاءة للعمل في المشروع الترحاب الكبير من أهلها فالجزيرة ومشروعها الذي كان عملاقاً قبل أن يخبو نجمه لم تعرف القبلية ولا الجهوية ولا العنصرية إنما كانت ومازالت بوتقة تصاهر وتجانس ضمت كل أهل السودان ووجد فيها الجميع ما يريدون بدءاً من إنسانها الطيب وصاحب القلب الكبير وإنتهاء بخيراتها الوفيرة.
*فالعاملين بالمشروع من شتى بقاع السودان سواء أكانوا مفتشي غيط أو محاسبين أو عمال مخزنجية وخفر ظلوا من أهل الجزيرة وليسوا غرباء وعندما بلغ معظمهم سن المعاش لم يبارحوا الجزيرة فشيدوا مساكنهم في القرى التي كانوا يعملون في مكاتب التفتيش جوارها أو في مدن الولاية لأن علاقتهم بالمواطنين قد صارت أقوي وعز عليهم فراقها وفراق من عاشروهم والشواهد كثيرة وقصص التعايش لا يسع لها المكان.
*وفي موسم حصاد القطن الذي كان عمود الإقتصاد القومي والذي ينتجه مزارعو مشروع الجزيرة ويعود جل عائده للوطن ويعود منه الفتات للمزارع دون أن يشتكي أو يكل ويمل لقناعته بأن الوطن أولى بالتضحية…ففي موسم حصاد القطن يأتي العمال من كل السودان ويتخذون مساكنهم بالقرب من المزارع حرصاً منهم على الإنتاج والعمل فكان موسم جني القطن يمثل أعياداً للجميع خاصة أنه يمتد لما يقارب الستة أشهر وتلك قصص لا بد أن يحكيها من عاشها وخاض تجربتها.
*مناسبة حديث اليوم عن مشروع الجزيرة هي الإستعدادات للعروة الشتوية والمقارنة بين الطموح والمطلوب وبين ما هو حقيقة على أرض الواقع..ذلك نقلاً عن تصريح مدير المشروع المهندس إبراهيم مصطفى ..إذ تمت حتى الآن زراعة 110 ألف فدان قمح للعروة الشتوية من جملة 300 ألف فدان مخطط زراعتها منها ما يتراوح بين 10 ألف إلي 15 ألف فدان عبارة عن تقاوي لسد الفجوة والملاحظة الأولى أنها تبدو نسبة متواضعة جدا بل ضعيفة مقارنة بالمساحة الكلية التي يجب ان تتم زراعتها.. وقد قال المدير أن بقية المساحة ستتم زراعتها بنهاية شهر ديسمبر الجاري…فالشهر لم يتبق منه سوى عشرة أيام فهل فعلا ستتمكن ادارة المشروع من الإيفاء بهذا الإلتزام أم ان أسباباً مثل ضعف التمويل وإرتفاع مدخلات الإنتاج في الظروف الحالية سترد ضمن أسباب العجز عن زراعة كل المساحات؟ نقول ذلك لأن المزارع في المشروع قد تعرض لإنتهاكات المليشيا بعدما إستباحت الجزيرة وفقد كل ما يملك بالنهب والسرقة وفقد قوت يومه دع عنك المخزون الذي كان يعالج به مشاكل وإحتياجات تكلفة الحياة فكان ينبغي أن يكون الترتيب للعروة الشتوية أفضل مما هو عليه الحال الآن وأن تكون هناك أولوية بتوفير المدخلات ونظافة قنوات الري ودعم المزارع وضمان ري كل المساحات المزروعة.
*يتحدث مدير المشروع عن تطهير 150 ترعة من جملة 700 ترعة تحتاج للتطهير وذلك لأن الري هو عماد نجاح الزراعة فالنسبة أيضاً ضعيفة ومتواضعة فربما تعجز ادارة المشروع عن إكمال زراعة ال300 ألف فدان بسبب أن قنوات الري لم تعد كافية لري كل تلك المساحة فهل متوقع أن يتم تطهير ما تبقى من ترع في تلك الفترة القصيرة التي دائما ما تحكم الزراعة في العروة الشتوية؟؟ وحتى عدد الكراكات التي تم توفيرها 95 كرامة لما يزيد عن 500 ترعة تبدو قليلة ولا اظنها ستنجز الخطة كما يريدها مدير المشروع ويتطلبها الظرف حتى إن توفر الجازولين.
كنت أرى أن زراعة محصول القمح وكل المحاصيل الشتوية من عدسية وكبكبي وفول سوداني وقمح في ظل الظروف التي عاشها مزارع الجزيرة والمواطنين عامة كان ينبغي أن تأخذ أولوية قصوى لدى وزارة الزراعة وإدارة المشروع في حكومة الأمل ولكن الإحصائيات التي أشرنا إليها والمقارنة بين ما هو مخطط له أن يتم وبين ما هو كائن بالفعل يقول غير ذلك…فهل نطمع أن تضاعف ادارة المشروع جهودها خلال ما تبقى من وقت لزيادة المساحات المزروعة حتي تحقق جزء من الأهداف وترجع البسمة لمواطن الجزيرة بعد أن سرقتها منه إعتداءات وجرائم المليشي