
تصعيد المليشيا في دارفور… قراءة في منطق الحرب بالوكالة وتحولات إدارة الصراع
عمرو خان
*لم يعد التصعيد الأخير الذي تشهده دارفور ضمن ما يُعرف بـ(حرب الكرامة) مجرد تطور ميداني عابر أو موجة عنف اعتيادية في سياق صراع مفتوح، بل بات يحمل دلالات أعمق تتجاوز منطق الاشتباكات اليومية إلى تحول نوعي في طريقة إدارة الحرب نفسها، خصوصًا من جانب مليشيا الدعم السريع، التي كثّفت هجماتها بشكل متزامن ومتعدد الجبهات وعلى رقعة جغرافية واسعة خلال فترة زمنية قصيرة.
*هذا النمط من التصعيد، من حيث عدد الهجمات، وتنوعها، وتزامنها، وانتشارها الجغرافي، يفرض سؤالًا مركزيًا: هل نحن أمام مجرد اندفاعة عسكرية مؤقتة، أم أمام مرحلة جديدة من الصراع تعكس وصول دعم إقليمي نوعي أعاد للميليشيا قدرتها على المبادرة؟.
*من الاشتباك الموضعي إلى الهجوم المتعدد المحاور: المتابع لمسار العمليات خلال الأشهر الماضية يلحظ أن الدعم السريع انتقل تدريجيًا من نمط الهجمات المحدودة والارتكاز الدفاعي، إلى استراتيجية الهجوم المتعدد المحاور. هذا التحول لا يحدث عادة في بيئات الاستنزاف إلا عندما تتوفر ثلاثة عناصر أساسية: أولها، استعادة قدر من الجاهزية القتالية والتنظيمية.. ثانيها، توفر إمكانات لوجستية تسمح بإدارة عمليات متزامنة.. وثالثها، وجود هدف سياسي أو تفاوضي تسعى القوة المهاجمة لفرضه عبر الميدان.
*الهجمات المتزامنة لا تستهدف فقط السيطرة العسكرية، بل تهدف بالأساس إلى تشتيت الخصم، وإرباك مراكز القيادة، واستنزاف القدرة على اتخاذ قرار مركزي، وهو تكتيك معروف في حروب الوكالة وحروب العصابات المتقدمة.
*دارفور من هامش الصراع إلى مركزه: دارفور، التي طالما جرى التعامل معها باعتبارها ساحة خلفية أو مسرحًا ثانويًا، تحولت اليوم إلى قلب المعادلة العسكرية والسياسية.. فهي تمثل بالنسبة لمليشيا الدعم السريع عمقًا بشريًا يمكن إعادة التعبئة منه ممرًا لوجستيًا مفتوحًا على حدود إقليمية رخوة منصة لإعادة التموضع بعد الضغوط التي واجهتها المليشيا في الوسط والخرطوم.
*لكن الأهم أن دارفور باتت ساحة رسائل إقليمية، لأن انفلاتها أو السيطرة عليها لا ينعكس فقط على الداخل السوداني، بل يمتد تأثيره إلى دول الجوار في غرب ووسط إفريقيا، وصولًا إلى فضاء الساحل والصحراء.
*هل يقف الدعم الإقليمي خلف هذا التصعيد؟: القراءة الواقعية تشير إلى أن هذا التصعيد لا يمكن فصله عن تحسن نوعي في الدعم غير المباشر الذي تتلقاه الميليشيا. وليس المقصود هنا بالضرورة تدخلًا عسكريًا معلنًا أو تحالفًا رسميًا، بل أشكالًا أكثر شيوعًا في حروب الظل، مثل: إعادة تدفق الإمدادات عبر مسارات معروفة ولكن بإدارة أكثر تنظيمًا.. تحسين في منظومات الاتصال والتنسيق
دعم استخباري ولوجستي ساعد على رفع مستوى التخطيط والتزامن بمعنى أدق، نحن أمام رفع في سقف الدعم النوعي، لا إعلان شراكة عسكرية صريحة، وهو نمط مألوف في الصراعات التي تُدار بالوكالة دون تحمل كلفة سياسية مباشرة.
*البعد النفسي والسياسي للتصعيد: لا يمكن فصل التصعيد العسكري عن أهداف نفسية وسياسية واضحة. فالمليشيا تسعى إلى تعويض خسائر سابقة عبر إظهار القدرة على المبادرة لا الاكتفاء برد الفعل.. فرض نفسها كفاعل لا يمكن تجاوزه في أي معادلة سياسية قادمة ..إعادة إنتاج مناخ الخوف في دارفور للضغط على المجتمعات المحلية وإعادة تشكيل الولاءات بالقوة.
*في هذا السياق، يصبح المدنيون مرة أخرى وقودًا للصراع، وتتحول الجغرافيا إلى أداة ضغط، لا مجرد مسرح عمليات.
*التزامن ليس صدفة:
التزامن الزمني والجغرافي للهجمات يشي بوجود غرفة عمليات أكثر مركزية مما كان عليه الوضع في مراحل سابقة. وهو ما يعني تحسنًا في القيادة والسيطرة، وقدرة على إدارة عمليات معقدة تتجاوز المبادرات الفردية للقيادات الميدانية.
*وهنا تكمن خطورة المشهد: فالصراع ينتقل من حالة الفوضى المسلحة إلى عنف منظم طويل النفس، وهو الشكل الأكثر استنزافًا للدولة والمجتمع معًا
خلاصة القول: ما يجري في دارفور اليوم لا يعني بالضرورة انقلاب ميزان الحرب لصالح ميليشيا الدعم السريع، لكنه يؤكد أننا دخلنا مرحلة جديدة من التصعيد الإقليمي غير المعلن، حيث تُستخدم الميليشيا كأداة ضغط، وتُدار المعركة بمنطق الوكالة، وتُترك المجتمعات المحلية في مواجهة كلفة إنسانية باهظة.
*السيناريو الأخطر لا يتمثل في معركة فاصلة سريعة، بل في تحول دارفور إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح منخفض الحدة وطويل الأمد، إذا لم يُكبح هذا المسار سياسيًا ولوجستيًا، وإذا لم يُعاد الاعتبار لمفهوم الدولة بوصفه الضامن الوحيد لوحدة الجغرافيا وحماية المدنيين.
*في نهاية المطاف، فإن ما يحدث ليس مجرد تصعيد عسكري، بل اختبار قاسٍ لقدرة السودان على منع تفكيك صراعه الداخلي وتحويله إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين.
*كاتب صحفي مصري