آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (31) (لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (ه)

صمت الكلام

فائزة إدريس

 

*مال الدكتور (ب) ليسند إلى الوراء في كرسيه وأغمض عينيه لدقيقة، كأنما كان يحاول أن يقصي ذكرى مزعجة. مرة أخرى عادت الرعشة الغريبة إلى الجانب الأيسر من فمه التي كان يعجز عن التحكم فيها. ثم استقام ليستطرد: أتمنى أن أكون حتى الآن قد استطعت أن أشرح كل شيء بوضوح؛ إذ إنني لا أعلم على الإطلاق إذا كنت سأستطيع أن أوضح ما سوف يأتي بطريقة مماثلة. فشغلتي الجديدة كانت تطلب تركيزاً ذهنياً يستحيل معها ممارسة أي نوع من التحكم في الذات.

* لقد أشرت من قبل أنه في تقديري من البلاهة أن يلعب الإنسان دور شطرنج ضد نفسه، لكن حتى هذه الفكرة السخيفة كان يمكن أن تكون لها فرصة ضئيلة من النجاح في حال وجود رقعة شطرنج حقيقية؛ حيث إنها كانت ستضفي بعداً واقعياً وتفرض – من ثم – شيئاً من المسافة، بالنقل إلى العالم المادي مع وجود رقعة شطرنج حقيقية وقطع حقيقية كان يمكن أن تكون هناك فسحات للتفكير، يمكن أن ينتقل اللاعب جسدياً من جانب إلى الجانب المقابل على الطاولة؛ حتى يعاين الموقف من منظور الأسود ثم من منظور الأبيض بعينيه.

*أما أنا فكنت مضطراً لأنازل نفسي أو مع نفسي، كما تفضل، في مجال الخيال، ومن ثم أحفظ في ذاكرتي مواقع القطع على الأربعة وستين مربعاً بل وليس فقط المواقع الحالية، ولكن أيضاً الحركات التالية المحتملة لكلا اللاعبين. أعلم مدى صعوبة التخيل أى تصور حركتين أو ثلاث، بل ست، ثماني حركات أو حتى اثنتى عشرة حركة لكل من الأنا السوداء والأنا البيضاء لأربع أو خمس خطوات مسبقة.

*سامحني أن أطالبك أن تتمعن في هذا الحمق، كان عليّ في هذه اللعبة في المجال المجرد للخيال كلاعب أبيض أن أحتسب أربع أو خمس حركات إلى الأمام، والشيء نفسه بالنسبة للاعب الأسود، أي كل الأوضاع التي قد يسفر عنها تطور اللعبة مسبقاً بعقلين، عقل أبيض وعقل أسود (يتبع)

نهاية المداد:

الوقت ما هو إلا وعاء نملؤه بما نريد وإذا أردنا شيئاً أوجدنا له الوقت.

 (أحمد الشقيري)