
مقاربة الواثق كمير…التوازن الغائب في معادلة الإقصاء
د كرار التهامي
*د. الواثق كمير مفكر عميق الغور واسع المعرفة فصيح اللهجة قوي الحجة له صولات وجولات وتأثير عميق في مسارات السياسة السودانية خاصة ابان وجوده في دائرة الصراع قبل انفصال الجنوب حيث كان يشير الكثيرون إلى انه العقل لاستراتيجي للحركة الشعبية ومخها السياسي.
*ظهرت بعض تجليات هذه العلاقة في رحلته من (النقابة إلى الغابة ) التي رسم طريقها الوعر في كتابه (رحلتي مع منصور خالد : الخروج من الذات لملاقاة الآخر).
*والواثق من الشخصيات المعتدلة الذي يخرج دائما من الذات لملاقاة الآخر وهو واحد من أهم الرموز التي اسهمت في تخفيف غلواء الخطاب السياسي الجنوبي ونظرته للشمال ونخبه السياسية وكان مؤثرا بحكم قربه من الدكتور جون قرنق وبحكم قدراته الفذة في تمحيص الأمور. والمقاربات السليمة في الشأن السوداني.
*الفرق بين الواثق وكثير من سياسيي الشمال الذين تحلقوا حول الدكتور قرنق كنباتات الظل ان الواثق كان له ما يقدمه في فقه الصراع بينما الآخرون كانوا مجرد تنابلة و بيادق تباع وتشترى في رقعة الصراع.
*على الصعيد الشخصي أجد نفسي ممتنا للواثق كمير فهو لايفتأ يبادلني الكتابات والأفكار وخصني بمسودة كتابه الأخير وفي شئون كثيرة وظللت أتابع في خصوصية شديدة مناصحته للدكتور عبد الله حمدوك ابان اختلاج الحكم الاول تلك النصائح التي لو أخذ بها الأخير لكان حال السودان مختلفا اليوم.
*كتب الواثق في الأسبوع الماضي ورقة تحت عنوان (الإرهاب والإرهاب المضاد: التصنيف الإقصائي بدل السياسة) يشير فيها إلى تواريخ الإقصاء والكراهية التي اكتنفت الحياة السياسية في السودان و طرح فيها افكارا مهمة حول تاريخ (الإقصاء السياسي ) وردود الأفعال التي أحدثها وموجاته الارتدادية التي عصفت باستقرار الدولة السودانية ،بيد ان الورقة اختزلت الصراع الدائر الآن في السودان في اقصاء و إقصاء مضاد بين طرفين احدهما (الدعم السريع )والآخر الجيش وحلفائه من تيارات الإسلاميين المختلفة وهنا تقاطعت أطروحة الواثق مع الافكار والتوصيفات المصطنعة التي تبثها غرف اعلام حلفاء الدعم السريع والمسيطرون الذين يحركون تلك الدمية المؤذية من وراء الستار فاختلت المقاربة وتماهت مع الكلام المرسل المصنوع الذي تردده بعض الأطراف في منابر الدعاية السياسية لتغليف حقيقة هذا التمرد الذي طعن البلاد في الظهر.
*يقول الواثق: ففي الوقت الذي يدفع فيه حلفاء قوات الدعم السريع باتجاه تصنيف الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني تنظيماً إرهابياً، استناداً إلى تحولات إقليمية ودولية في الموقف من الحركات الإسلامية، يطالب حلفاء الجيش، في المقابل، بتصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية، على خلفية الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت خلال الحرب.
*اختزل الواثق فكرة تصنيف الدعم السريع كمنظمة أرهابية و كانها من بنات أفكار الجيش وحلفائه وعزلها عن صوت الشعب السوداني و البرلمانات العالمية و القوى المجتمعية الحية التي ينادي اغلبها بتصنيف هذا الفصيل العسكري المتمرد على الدولة كمنظمة ارهابية.
*وعلى الرغم من نقاط الضعف التي تعتري الكونغرس الأمريكي وقابليته للانصياع لأصحاب النفوذ والمال واللوبيات المدفوعة الأجر فرموز سياسية كثيرة فيه طالبت بتصنيف قوات الدعم السريع السودانية كمنظمة ارهابية على خلفية جرائمها و الانتهاكات العنيفة التي ارتكبتها في دارفور والجزيرة وغيرها و كذلك فعل غيرهم من المفكرين والمراقبين السياسيين وذلك أقوى دليل على انها ليست مدافعة بين طرفين ولكنها نقطة التقاء وتقاطع بين كل الأحرار والعاقلين في هذا العالم.
*الملفت للنظر ثنائية الاتفاق على تصنيف الدعم منظمة ارهابية تلك الثنائية الحزبية النادرة الحدوث في الكونغرس الأمريكي وما يسمى بال
Cross party consensus حيث دعا ممثلو الحزبين إلى تصنيف الدعم السريع منظمة ارهابية.
*ومن باب المثال لا الحصر دعوة السناتور الجمهوري (جيم ريش) رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى تصنيف قوات الدعم السريع رسميًا كمنظمة إرهابية أجنبية. كذلك السناتورة الديمقراطية (جين شاهين ) أكبر الأعضاء الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية بالمجلس، أعربت عن دعمها المحتمل لهذا التصنيف.
*هذا غير عشرات النداءات من منظمات دولية فاعلة والاهم من ذلك هو موقف ألاربعين مليون سوداني الذين لن يشفِ غليلهم حتى لو مضغوا أكباد تلك العصابات وليس مجرد تصنيفهم كارهابيين بعد ان انالوا البلاد المصائب العظمى والرزايا المؤلمة فالمناداة بتفكيك الدعم وطرده من البلاد وتصنيفه ليس صنيعة الجيش وحلفائه لكنه نبض هذا الشعب الجريح وصوت شرايينه وهي تنزف ونسائه الثكلى وأطفاله اليتامي المشردين فهل أصبح إقصاء الدعم نظيرا لاقصاء الحزب الشيوعي أو الحركة الإسلامية في معاضلات السياسة السودانية التاريخية.
*لنفي فرية الإسلاميين ودورهم في الحرب و سعيهم وحدهم لإقصاء المتمردين ودورهم وحدهم في الحرب فلننظر إلى تلك النخب وكمير احدهم وهي تسخر أقلامها الآن دفاعا عن الجيش والبلاد وليس بينهم إسلامي ولا عسكر ي وما فتئوا ينادون بتصنيف الدعم السريع كمنطمة أرهابية مجرمة وعميلة و اكثرهم مفكرون ومحللون سياسيون من النخب المحايدة ومن اليسار واليمين أمثال عبد الله علي إبراهيم وعشاري خليل ومحمد جلال هاشم وأمجد فريد ومصطفى البطل والهندي عز الدين ومزمل ابو القاسم والطاهر ساتي وعادل الباز وضياء وغيرهم من حملة الأقلام وهم الأكثر جهدا في الحرب على الدعم السريع وتفكيكه وتصنيفه فليس من الموضوعية احتكار شرف القتال الإعلامي والعسكري للإسلاميين بينما كل التيارات تقاتل بيدها ولسانها دون منة.
*لقد شبهت الورقة فكرة تصنيف الدعم السريع بإقصاء الحزب الشيوعي الذي نتج عنه انقلاب ٦٩ وإقصاء الجنوبيين الذي نتج عنه الانفصال وإقصاء الإسلاميين الذي نتج عنه انقلاب ٨٩ على الرغم ان حالة الدعم السريع تختلف في الشكل والمحتوى والاحداثيات فمقارنتها هنا كمقارنة البرتقال بالتفاح comparing apples to oranges كما يقول المثل الإنجليزي ولايمكن النظر اليها بنفس المعايير فهي جريمة من طرف واحد يستحق المجرم فيها الإقصاء والطرد والتنكيل وتحتاج إلى معايرة أخرى يدخل فيها السياسي والنفسي والإثني والمحلي والجيوسياسي والجنائي والأخلاقي.