آخر الأخبار

الاستعداد لمرحلة ما بعد الأزمة.. التحضير للاستثمار 

 

د. عثمان حامد

*اللحظة الحالية في السودان ليست مواتية  لتكون منصة نشطة لجذب الاستثمارات واسعة النطاق.. لكنها تصلح تماما وربما على نحو غير مسبوق لتكون زمن الإعداد الجاد.

*ففي الاقتصادات التي تمر بأزمات عميقة.. يكون الاستثمار الفعلي مؤجلا بحكم الواقع.. بينما يكون العمل التحضيري هو المجال الوحيد الذي يمكن التحكم فيه بعقلانية.

*إعداد ملفات الفرص الاستثمارية وصياغة الرؤى القطاعية.. وبناء الأطر المفاهيمية للإصلاح.. كلها أنشطة لا تنتظر الاستقرار الكامل.. فقط تتطلب هدوء التفكير أكثر من هدوء المشهد.

*إن إعداد ملفات الفرص الاستثمارية في هذه المرحلة لا يعد ترفا فكريا ولا نشاطا تسويقيا بالمعنى الضيق.. انما هو عملية تأسيس للثقة المستقبلية.. فالمستثمر الجاد لا يتأثر بالخطاب.. بقدر تأثره بالملفات المهنية التي تظهر فهما دقيقا للسوق.. وللمخاطر.. وللسيناريوهات المختلفة.

*حين تكون هذه الملفات جاهزة متماسكة.. ومبنية على بيانات حقيقية وافتراضات محافظة.. فإنها تتحول لاحقا إلى أدوات تفعيل سريعة.. بدل أن نبدأ من نقطة الصفر عند تحسن الظروف.

*التفكير في الإصلاحات التشريعية والقضائية والحوكمية في هذا التوقيت يحمل قيمة مضاعفة ورسالة سياسية واقتصادية

صياغة مسودات قوانين استثمار حديثة.. وإعادة تصور دور القضاء التجاري.. وبناء أطر حوكمة واضحة للهيئات الاقتصادية.. القوانين الواضحة.. الإجراءات المبسطة.. نظم فض النزاعات.. والحوكمة الرشيدة.. كلها عناصر تبنى على الورق قبل أن تطبق على الأرض.. والعمل عليها الآن يمنح السودان فرصة نادرة لتجاوز أخطاء الماضي.. بدل إعادة إنتاجها تحت ضغط الحاجة وكلها يمكن إعدادها نظريا وفنيا الآن.. حتى لو تعذر تطبيقها فورا.. المهم هو أن تكون جاهزة.. مختبرة فكريا.. وقابلة للتنفيذ عند توفر الإرادة والظرف.

من الحكمة الفصل بين الإعداد والتسويق.

*التسويق الاستثماري في غياب ملفات جاهزة وإصلاحات مصاغة بعناية يتحول إلى وعود غير قابلة للتحقق.. وهو ما يضر بالسمعة أكثر مما يفيد. أما حين يأتي التسويق بعد مرحلة إعداد عميقة.. فإنه يكون أكثر هدوءا.. وأكثر مصداقية.. وأقل كلفة.. لأنه يعتمد على محتوى جاهز.. ورؤية واضحة لا على ارتجال سياسي أو إعلامي.. الدول التي تنجح في جذب الاستثمار بعد الأزمات هي التي استثمرت وقت الأزمات في التحضير الذكي.

*السودان في هذه اللحظة يملك فرصة نادرة لإعادة ترتيب ملفه الاستثماري من الأساس بعيدا عن الضغوط وبمنهجية مهنية.

*وحين يتحسن الظرف سنكون في مقدمة الدول والمؤسسات التي أعدّت ملفاتها مسبقا.. سنكون الأسرع في التحرك.. والأكثر قدرة على فرض شروط متوازنة وفرص جاذبة.

*نعم الزمن الراهن هو ساحة إعداد بامتياز..  ومن يحسن استغلال هذه المرحلة فكريا ومؤسسيا.. سيكون في موقع متقدم عندما تتحول النوايا إلى أفعال.. فهلا فعلنا.