آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (32)(لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (و)

صمت الكلام

فائزة إدريس

 

*لكن حتى هذا الفصام في الذات لم يكن أخطر ما في هذه التجربة المبهمة، إنما أدى اختراع الأدوار إلى فقداني الثبات على الأرض وسقوطي في الهاوية.. لم يكن في إعادة لعب الأدوار الذي مارسته خلال الأسابيع السابقة سوى عملية نسخ، استدعاء بحت لمادة محددة، ولذا لم تتطلب جهدًا أكبر من جهد حفظ قصيدة أو فقرات من قانون.. كان نشاطاً محدوداً ومنضبطاً ومن ثم تدريباً ذهنياً ممتازاً. فدورا الصباح والمساء اللذان كنت أتدرب عليهما كانا كالواجب المحدد لا يمثل أي مشقة، بديلاً لأي عمل معتاد، بالإضافة إلى أن الكتاب كان موجوداً أرجع إليه عند الخطأ أو التردد.

*لذا كان لهذا النشاط الأثر المعافي على أعصابي المنهكة لأن تقليد أدوار آخرين لم يدخلني أنا في المعادلة؛ حيث لا يعنيني في شيء أن يفوز الأسود على الأبيض فالنزال بين أليخين وبوجوليوبو؛ من أجل الحصول على جائزة البطولة، أما المتعة المتحققة لي كشخص وعقل وروح، تتمثل في المشاهدة وتذوق تطورات الدور وجماله.. منذ تلك اللحظة التي بدأت فيها محاولات اللعب ضد نفسي كنت أتحدى نفسي دون أن أدرك. كل أنا لي، الأنا السوداء والأنا البيضاء كان عليها أن تنافس الأخرى، وكانت كل واحدة فيها تصاب بحمى ولهفة الفوز والانتصار.. بعد كل حركة للأنا السوداء أنتظر مترقباً ماستفعله الأنا البيضاء.

*كنت أبتهج لهفوة الأنا الأخرى، وفي الوقت نفسه أشعر بالسخط على تعاسة حظي.

*كل ذلك يبدو بلا معنى فبالفعل من غير المتخيل أن يتعرض إنسان طبيعي في ظروف طبيعية لنوع من القصام المصطنع أو شق فى الوعي مع انفعال عصبي خطير. ولكن لا يجب إغفال أنني انتزعت من كل ما هو طبيعي عنوة لأصبح سجيناً، محبوس بلا ذنب، منذ شهور أُعذّب بمهارة بالعزلة، إنسان ينتظر أن يفرغ غضبه الذي تراكم ضد أى شيء. وبما أنه لم يكن أمامي إلا هذا اللعب الأحمق ضد نفسي، وجهت غضبي ونشوتي للانتقام بشكل جنوني ضد هذه اللعبة. شيء بداخلي أراد أن ينتصر لحقه لم يكن أمامي سوى هذه الأنا الأخرى بداخلي لأختصمها.

*في البداية بقيت أفكر بهدوء وتأن مع استراحات بين الأدوار لأستريح من الإجهاد، لكن مع مرور الوقت أصبحت أعصابي المشدودة لا تتحمل الانتظار. ففور انتهاء الأنا البيضاء من الحركة تظهر الأنا السوداء لاهثة؛ وفور انتهاء الدور أطالب نفسي بآخر ؛ لأن في كل مرة هناك أنا شطرنج مهزومة تطالب بالثار.

نهاية المداد:

وكم من كفيف بصير الفؤاد

وكم من فؤاد كفيف البصـر

وخير الكلام قليل الحروف

كثير القطوف بليغ الأثـــــــر

 (أبوالعتاهية)