آخر الأخبار

بين ومضات التألق وتحديات المنافسة العالمية

الإبـــــداع العــــــربي

 

 أيمن خليل –  مصر:

في عصر تتسارع فيه وتيرة الإبتكار وتتغير فيه قواعد الريادة، يطرح سؤال جوهري نفسه على الساحة العربية وهو:

هل استطاع الإبداع العربي أن يرتقي فعلاً لمصاف المنافسة العالمية؟

هذا السؤال ليس تساؤلاً ثقافياً عابراً، بل هو مؤشر على قوة مجتمعاتنا وقدرتها على الإنتاج والتأثير، فبينما نشهد حراكاً لافتاً في الفنون والآداب ونمواً في المحتوى الرقمي، تظل مؤشرات الابتكار التكنولوجي والصناعات المعرفية هي الحكم الفاصل.

وفي هذه المقالة، نحاول تفكيك هذا المشهد المعقد، لنحدد أين يكمن تفوقنا، وما هي التحديات التي تعيق انطلاق الإبداع العربي ليكون قوة منافسة مستدامة.

والبـــداية من هـــذا الســـؤال:

هل نحن، كعرب، ننافس فعلاً الإبداع العالمي اليوم؟

إنه سؤال شائك يتردد صداه في المحافل الثقافية والاقتصادية، والإجابة لا يمكن أن تكون مجرد (نعم) أو (لا)، بل هي طيف واسع يتراوح بين التألق اللافت في بعض الميادين والتحدي الهيكلي في ميادين أخرى.. إن الإبداع العربي، في صورته الحالية، يشبه نهراً عريقاً لا يزال يحمل تيارات قوية، لكنه يحتاج إلى قنوات أكثر تطوراً لكي يصب بقوته الكاملة في محيط الابتكار العالمي.

لا يمكن إنكار أن الإبداع العربي يحقق نجاحات قوية ويتمتع بأصالة تفتقر إليها بعض التجارب العالمية.. ففي مجال الآداب والفنون، يظل الإرث العربي هو ركيزة المنافسة.. الرواية العربية الحديثة تشق طريقها نحو منصات الجوائز العالمية، والدراما التلفزيونية والسينمائية تخطو بثبات وتؤثر في المشهد الإقليمي والدولي، وهذه ليست مجرد انعكاسات ثقافية، بل هي منتجات إبداعية تفرض نفسها بقوة السرد وجمالية الأداء.

كما يشهد المحتوى الرقمي والإعلام الجديد ثورة حقيقية يقودها جيل الشباب العربي فصانعو المحتوى العرب يحظون بمليارات المشاهدات، مما يثبت القدرة على إنتاج محتوى جذاب وتفاعلي لا يقل جودة عن نظرائه العالميين، وإن كان الطابع الغالب عليه هو الترفيه حالياً

 

لكن، عندما ننتقل إلى معيار المنافسة الأشد عالمياً، وهو الابتكار التكنولوجي والصناعات المعرفية، نجد أن الإبداع العربي يواجه فجوة حقيقية.. خيث أن ترتيب معظم دولنا في المؤشرات العالمية للابتكار لا يزال متأخراً عن الاقتصادات المتقدمة التي تضخ استثمارات ضخمة في البحث والتطوير

فالمنافسة العالمية اليوم تقاس بحجم الاختراعات المسجلة، وبعدد الشركات الناشئة التي تغير قواعد اللعبة، وبكمية المحتوى العلمي الذي يثري البشرية. هنا، لا يزال المبدع العربي يواجه تحديات تتعلق ببيئة العمل، وضعف التمويل المخصص للبحوث، ونزيف هجرة العقول المتميزة التي تبحث عن فرص عمل أو بيئات داعمة لاحتضان أفكارها المعقدة.

ضرورة الاستثمار في بيئة الحاضنة

للانتقال من مرحلة (التألق الفردي) إلى مرحلة (المنافسة الشاملة)، نحتاج إلى تغيير منهجي يبدأ من القواعد مثل

إصــــلاح التعليــــٓم:

يجب أن تتحول النظم التعليمية من الاعتماد على التلقين إلى تشجيع التفكير النقدي والإبداعي منذ المراحل الأولى.

دعم البحث والتطوير: لا يمكن تحقيق قفزات تكنولوجية دون زيادة الاستثمار الحكومي والخاص في البحث والتطوير، وربط الجامعات ومراكز الأبحاث بالصناعة.

احتضــــان الشبـــــاب:

على الحكومات والقطاع الخاص توفير الحريات الأكاديمية والفكرية والمنصات المناسبة لدعم رواد الأعمال والمبتكرين، لضمان بقاء العقول المنتجة وعدم هجرتها.

إن الإبداع العربي يتمتع بـ(موهبة) فطرية وتاريخية.. ولكن المنافسة العالمية تتطلب أكثر من الموهبة؛ إنها تتطلب منظومة عمل متكاملة” تضمن نمو هذه الموهبة وحمايتها وتمكينها مالياً وتشريعياً

الإبداع العربي اليوم في مرحلة الانطلاق بقوة، ولكنه يحتاج إلى تحويل (ومضاته) إلى (نور مستدام) يضيء الساحة العالمية. الطريق مازال طويلاً، لكن الإرادة متوفرة، والقدرة كامنة تنتظر فقط التحرير الشامل.