آخر الأخبار

انهيار محافظ التمويل الأصغر.. خطر سيادي

 

تقرير – ناهد اوشي:

قدم استشاري التطوير المؤسسي -خبير التمويل الأصغر نعمان يوسف قراءة في إنهيار محافظ التمويل الأصغر..وقال في الظروف الطبيعية، تقاس كفاءة مؤسسات التمويل الأصغر بقدرتها على الوصول إلى الفئات المنتجة الهشة، وتحقيق الشمول المالي، والحفاظ على معدلات تعثر مقبولة. لكن في ظل حرب السودان، لم تعد هذه المعايير صالحة للحكم، إذ انتقل الخطر من كونه خطرا تشغيليا أو ائتمانيا، إلى خطر سيادي–وجودي  يهدد بقاء المنظومة بأكملها.

تعثر جماعي:

واضاف نعمان  مع تجاوز معدلات التعثر حاجز 70% في كثير من مؤسسات التمويل الأصغر، لم يعد الحديث عن “تعثر عملاء” بقدر ما هو حديث عن تعثر جماعي قسري طال العملاء والمؤسسات والبنوك في آن واحد.

مبينا ان غالبية عملاء التمويل الأصغر في السودان هم فاعلون اقتصاديون حقيقيون ( مزارعون، حرفيون، تجار صغار، نساء منتجات) حيث  لم يتوقفوا عن السداد بسوء نية أو فشل اقتصادي، بل أخرجوا قسرا من دورة الإنتاج بسبب النزوح وفقدان الأصول

،انقطاع سلاسل الإمداد، توقف الأسواق مع انعدام الأمن وصعوبة الوصول وبذلك، انتقل العميل من خانة (المقصر) إلى خانة الضحية الاقتصادية للحرب، دون أن يواكب الإطار الائتماني هذا التحول الجذري.

 الحلقة الأضعف:

ونوه إلى انه ومع تعثر أكثر من أربعة أخماس المحافظ، تجد مؤسسات التمويل الأصغر نفسها أمام معادلة مستحيلة حيث انعدام التحصيل وتآكل رأس المال العام واستمرار الالتزامات تجاه البنوك الممولة وغياب أدوات المعالجة الاستثنائي و اشار إلى ان الأخطر من ذلك، أن معظم هذه المؤسسات ممولة بصيغ مضاربة مقيدة، ما يجعلها قانونيا في موضع المضارب المقصر، رغم أن سبب التعثر خارج عن إرادتها بالكامل.

 فخ التصنيف الائتماني:

وقال يوسف عندما تعجز مؤسسات التمويل الأصغر عن سداد المضاربات المستحقة، يتم إدراجها ضمن قوائم المتعثرين لدى وكالات التصنيف والاستعلام الائتماني. وهنا تحدث المفارقة الأخطر من حيث مؤسسة تعثرت بسبب الحرب،تصنف كمؤسسة عالية المخاطر،تحرم من أي تمويل جديد، تغلق نافذة التعافي بالكامل وبذلك يتحول التصنيف الائتماني من أداة قياس مخاطر إلى أداة تعميق للأزمة.

واشار إلى أن انهيار منظومة التمويل الأصغر لا يقتصر أثره على المؤسسات وحدها، بل يمتد إلى

البنوك الممولة (ارتفاع الديون غير العاملة).. الاقتصاد المحلي (اختفاء التمويل القاعدي) ،الأمن الاجتماعي (تزايد الفقر والبطالة).

مطالبا بضرورة  إعادة تعريف الأزمة لا إدارتها بالأدوات القديمة وقال بان التعامل مع هذه الكارثة لا يكون عبر تشديد التحصيل او إعادة الجدولة الشكلية أو بتصعيد قانوني عديم الجدوى بل  يتطلب إطارا استثنائيا يشمل: إعادة تصنيف التعثر من تعثر ائتماني إلى تعثر قهري بسبب الحرب مع   تجميد أو إعادة هيكلة المضاربات على مستوى النظام لا المؤسسة

وتدخل البنك المركزي بصفته جهة رقابية وممول أخير بجانب  مراجعة معايير التصنيف الائتماني في حالات الكوارث والنزاعات وإنشاء آلية تعافي للتمويل الأصغر مرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب.

وأبان النعمان ان التمويل الأصغر لا يحتمل منطق العقاب وقال بأن محاسبة مؤسسات التمويل الأصغر والعملاء بمنطق (التقصير) في ظل حرب شاملة، هو خطأ اقتصادي وأخلاقي في آن واحد.. فالمنظومة التي صممت لمكافحة الفقر لا يجوز أن تستخدم لإعادة إنتاجه.. فما يحدث اليوم ليس فشل تمويل أصغر، بل فشل في مواءمة السياسات مع واقع الحرب. وإن لم يتم تصحيح هذا المسار سريعا، فإن السودان سيخرج من الحرب بلا شبكة تمويل قاعدية، وبكلفة اجتماعية تفوق كلفة الحرب نفسها.