
اقتصاد البرتقال.. شراع السودان الجديد
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
*بينما تُصمت المدافع صوتها تدريجياً، يبدأ السؤال الجوهري في الطفو على السطح: كيف سنبني سودان ما بعد الحرب؟ الإجابة التقليدية قد تتجه نحو تعبيد الطرق وترميم الجسور، لكن الإجابة الذكية تكمن في استثمار (العقول) قبل (الحجارة).. نحن اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف الهوية الاقتصادية للسودان من خلال تبني الاقتصاد الإبداعي (أو ما يُعرف بالاقتصاد البرتقالي)، ودمجه في صلب عملية الإعمار.
*الاقتصاد البرتقالي ليس مجرد مصطلح أكاديمي؛ هو كل نشاط يعتمد على الإبداع، الفن، الثقافة، والابتكار كمدخلات أساسية.. في السودان، نملك مخزوناً ثقافياً هائلاً وتنوعاً إثنياً وموسيقياً وبصرياً لم يُستغل بعد كمورد اقتصادي، ويتميز هذا النوع من الاقتصاد بقدرته على الصمود والنمو حتى في فترات الأزمات، بجانب الاستدامة، فهو لا يعتمد على موارد ناضبة كالبترول، بل على (خيال) لا ينضب، ثم هو مجال لخلق المزيد من فرص التوظيف، فهو المحرك الأسرع لتشغيل الشباب في مجالات التصميم، الفنون الرقمية، البرمجة، والإنتاج السينمائي.
لا يمكن للثقافة أن تطعم خبزاً في العصر الحديث دون (رقمنة).. إن إعمار السودان يجب أن يتجاوز النماذج القديمة ليتوجه مباشرة نحو الاقتصاد الرقمي.
*إن ربط الإبداع السوداني بالمنصات الرقمية يعني أن المصمم في نيالا، أو الرسام في الخرطوم، أو المبرمج في بورتسودان، يمكنه بيع خدماته ومنتجاته للعالم أجمع بضغطة زر.. تحويل التراث السوداني إلى محتوى رقمي (ألعاب إلكترونية، تطبيقات تعليمية، منصات بث) هو المسار الأسرع لدمج السودان في سلاسل القيمة العالمية.
*أجبرت الحرب مئات الآلاف من الشباب السوداني على اللجوء إلى الجارة مصر.. ورغم مرارة النزوح، إلا أن هناك فرصة في قلب المحنة.. مصر تُعد رائدة إقليمياً في الاقتصاد الإبداعي، سواء في صناعة السينما، النشر، الإعلان، أو ريادة الأعمال الرقمية.
*يجب ألا ننظر للشباب السوداني في مصر كلاجئين فقط، بل كـ (سفراء معرفة).. إن احتكاك هؤلاء الشباب بالسوق المصري، ومؤسساته الثقافية، وخبراته العريقة في إدارة المشاريع الإبداعية، يمثل دورة تدريبية عملية ضخمة.. هؤلاء الشباب هم من سيعودون لزرع بذور (الاقتصاد البرتقالي) في التربة السودانية، حاملين معهم الخبرة المصرية في كيفية تحويل الفكرة الإبداعية إلى مؤسسة ربحية ناجحة.
*لتحقيق هذه الرؤية، نحتاج إلى تحرك جاد في ثلاثة مسارات، وتشمل مسار التشريعات بصياغة قوانين تحمي الملكية الفكرية وتدعم الشركات الناشئة الإبداعية، ومسار التعليم بإدراج مهارات الاقتصاد الرقمي والإبداعي في مناهج إعادة التأهيل، والشراكات بتفعيل بروتوكولات تعاون (سودانية – مصرية) تستهدف تدريب الشباب السوداني في الحاضنات الإبداعية المصرية ليكونوا جاهزين لقيادة مرحلة الإعمار.
*خلاصة القول، إن إعادة إعمار السودان ليست مجرد عودة لما قبل الحرب، بل هي فرصة للقفز نحو المستقبل.. الاقتصاد البرتقالي هو رهاننا الرابح، والشباب هم وقود هذا المحرك، وخبرات الجوار هي البوصلة التي تختصر علينا طريق البناء.