بعد إدانة المليشيا رسميا..هل تكتب الجنائية نهاية المشروع التخريبي في السودان؟
تقرير- الطيب عباس:
خلصت المحكمة الجنائية الدولية إلى وجود أدلة قوية على ارتكاب مليشيا الدعم السريع لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في السودان (لا سيما في الفاشر ودارفور).
وقالت نائبة المدعي العام، نزهت شميم خلال إحاطة لمجلس الأمن الدولي، يوم الاثنين، إن الدعم السريع (الجنجويد) ارتكبت فظائع جماعية في دارفور، وحفرت مقابر جماعية لإخفاء هذه الفظائع والجرائم حرب في السودان.
وأوضحت نائب المدعي العام، أن مليشيا الدعم السريع “الجنجويد” قامت بعمليات قتل جماعي وإخفاء جرائم عن طريق حفر مقابر جماعية، وأشارت إلى أنهم رصدوا إعدامات ومقابر جماعية على نطاق واسع في دارفور.. وأكد التقرير أن سكان إقليم دارفور تعرضوا لتعذيب جماعي، وأن ما حدث في الفاشر جرائم جماعية منظمة وواسعة النطاق.
وأوضح تقرير الجنائية، أن التعذيب في الفاشر يتم بحملة منظمة منهجية تستهدف غير العرب تحديدًا بما في ذلك الاغتصاب والاحتجاز التعسفي والإعدام، مشيرا إلى أن أعضاء مليشيا الدعم السريع يحتفلون بهذه الإعدامات ويهينون الجثث وأن العنف الجنسي يستخدم كأداة حرب في دارفور.
تقرير الجنائية عن جرائم الجنجويد يمثل أكبر إدانة من نوعها ضد مليشيا الدعم السريع ودويلة الإمارات الداعمة لهم، كما يمثل بحسب مراقبين خطوة أولى في طريق ينتظر الضحايا في نهايته العدالة الدولية.
لكن الإدانة ضد المليشيا ورغم قوتها ووضوحها، فليست كافية ولا تعدو كونها موقفا سياسيا، مالم تصحبه خطوات أخرى، وفي هذا الصدد قال حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، إنه بعد تقرير الجنائية آن الأوان لمحاسبة الجناة والقبض على ما تبقى من قادة وعناصر المليشيا وإنصاف الضحايا وأسرهم.
الخطوات القادمة:
وفق قوانين المحكمة الجنائية، فإنه بعد الاتهام المباشر، تبدأ الخطوات القانونية والتي تتمثل في تقديم طلبات إصدار مذكرات اعتقال كخطوة إجرائية المباشرة في قيام مكتب المدعي العام بتقديم “طلبات رسمية” إلى الدائرة التمهيدية بالمحكمة لإصدار مذكرات اعتقال بحق أفراد محددين من قادة مليشيا الدعم السريع الذين يُعتقد أنهم الأكثر مسؤولية عن هذه الجرائم.
وتقوم الدائرة التمهيدية بمراجعة الأدلة المقدمة من المدعي العام. إذا اقتنع القضاة بوجود (أسباب معقولة) للاعتقاد بأن الأشخاص المذكورين ارتكبوا الجرائم، فسيصدرون مذكرات اعتقال رسمية.
وبمجرد صدور مذكرات الاعتقال، تصبح جميع الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية (أكثر من 120 دولة) ملزمة قانونياً بالتعاون في القبض على هؤلاء الأفراد وتسليمهم للمحكمة إذا دخلوا أراضيها.
الحكومة السودانية لم تنتظر طويلا، حيث طالبت أمس الثلاثاء، رسمياً المحكمة الجنائية بالإسراع في ملاحقة ومحاسبة قادة المليشيا بناءً على هذه النتائج.
إنصاف الضحايا:
وقال الوزير المفوض عمار محمود، في بيان تلاه أمام مجلس الأمن، يوم الاثنين ونشر أمس الثلاثاء، إن تحقيق العدالة كان ولا يزال هدفاً مركزياً للحكومة السودانية، وقد جرى التأكيد عليه مراراً من قبل رئيس مجلس السيادة ورئيس مجلس الوزراء، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن منع الإفلات من العقاب وضمان المساءلة وإنصاف الضحايا وجبر الضرر تشكل الأساس الحقيقى لأي سلام مستدام.
وأوضح البيان أن حكومة الأمل فى السودان تبذل أقصى جهودها لتحقيق العدالة في دارفور، إيماناً بأن السلام والعدالة مساران متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر.
وأشار البيان إلى الأعمال الوحشية والمروعة التي ارتكبتها مليشيا الدعـم السريع بحق المدنيين عقب دخولها مدينة الفاشر، حيث نفذت ولا تزال تنفذ عمليات قتل ذات طابع عرقي واستعلائي، وأعمال ترويع ممنهجة وواسعة النطاق استهدفت المدنيين العُزّل، بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن، إضافة إلى استهداف المدن والبُنى التحتية بالطائرات المسيّرة، وبدعم وتشجيع من رعاتها الإقليميين.
وأكد البيان أن المليشيا ارتكبت جريمة إبادة جماعية متكاملة الأركان، عبر فرض حصار خانق على مدينة الفاشر وتجويع سكانها لما يقارب عامين ونصف، تُوّج بمجزرة مروعة تُضاف إلى سجلها الحافل بالفظائع، الممتد من الجنينة بغرب دارفور إلى قرى وأرياف ولاية الجزيرة، مروراً بالخرطوم وسنار وكردفان.
واعتبر البيان أن الحرب التي شنتها هذه المليشيا الإرها.بية ضد المواطن السوداني تمثل سابقة خطيرة في تاريخ الجرائم الجماعية، حيث أصبحت نموذجاً صارخاً للإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، مؤكداً أن القتل والترويع والدمار لازم هذه المليشيا أينما حلت.
وشدد البيان على أن جميع هذه الجرائم تندرج بشكل واضح ضمن الاختصاص الموضوعي والجغرافي للمحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي يستوجب الإسراع في توجيه التهم وإصدار أوامر القبض بحق القادة المتورطين، خاصة وأن بعضهم ظهر علناً وهو يوثق لجرائمه في استهتار واضح بالعدالة.
مطالب أخرى:
الحكومة السودانية لا تريد حصر العقوبات والتحقيقات على قادة المليشيا وإنما طالبت بأن تطال العقوبات دولا ومؤسسات إعلامية تورطت في دعم وتزيين جرائم المليشيا.
وقال ممثل السودان في جلسة مجلس الأمن، عمار محمود، إن الفظائع المرتكبة من قبل مليشيا الدعم السريع، ما كانت لتحدث لولا الرعاية والدعم العسكري والمالي والسياسي واللوجستي والإعلامي الذي تلقته المليشيا من دولة راعية كالإمارات، داعياً إلى توسيع نطاق تحقيقات المحكمة ليشمل كل من يثبت تورطه في دعم المليشيا أو التواطؤ معها من قادة وممولين ورعاة إقليميين ومحرضين.
وأكد البيان أن المحكمة الجنائية الدولية تتمتع بالاختصاص القانوني لملاحقة جميع المتورطين، أياً كانت مواقعهم أو بلدانهم، مطالباً بأن يشمل التحقيق بعض الجهات الإعلامية التي اضطلعت بدور خطير في تبييض جرائم المليشيا والتقليل من فظائعها، لافتاً إلى الدور الذي لعبته قناة سكاي نيوز عربية في هذا السياق.
ذوي الضحايا:
خبراء قانونيون يطالبون بتحرك ذوي الضحايا، سيما في الدول الأوروبية لتنفيذ وقفات إحتجاجية لدفع المحكمة الجنائية على الإسراع باجراءات المحاكمة وإصدار مذكرات اعتقال بحق قادة المليشيا، مشيرين إلى أن هذه الخطوة المتوقعة ستحاصر قادة المليشيا، سيما وأن معظم الدول التي يتجولون بها حاليا موقعة على ميثاق روما.
وبناءا على الدول التي يتواجد بها قادة المليشيا حاليا، وهى تشاد وكينيا ويوغندا، فإن هذه الدول الثلاثة موقعة على ميثاق روما الأساسي، ما يضعها في حرج بالغ بعد صدور مذكرات اعتقال بحق قادة المليشيا، ولن يتبقى لهم سوى الإمارات غير الموقعة على ميثاق روما، لكن أبو ظبي وفقا لمراقبين لا تزال تتعامل مع دعمها للمليشيا بالخفاء، ولن تكون تواجد المليشيا بأراضيها وممارسة نشاط علني، ما يعني أن قادة المليشيا لن يكون أمامهم سوى العودة لنيالا وممارسة أنشطتهم من هناك، ما يجعلهم صيدا سهلا للطيران السوداني
وفقا لخبراء قانونيون، فإن المحكمة الجنائية في العادة لا تأخذ وقتا طويلا بعد مرحلة توجيه الاتهام الرسمي، والتي حدثت بالفعل أول أمس الاثنين، ما يشير وفقا للخبراء أنفسهم أن الأيام المقبلة ستشهد تحركا جديدا للجنائية ينتهي بصدور مذكرة اعتقال بحق قيادات المليشيا، والتي قد تشمل وفق توقعات الخبراء، قائد المليشيا وشقيقيه عبد الرحيم والقوني بجانب قادة سياسيين في تحالف ما يسمى بتأسيس وقادة ميدانيين بارزين في المليشيا.
وفاة تحالف تأسيس:
وتمثل هذه الخطوة حال صدورها، شهادة وفاة بحق تحالف تأسيس الجنجويدي، كما أنها ستحد من الدعم الذي تقدمه أبو ظبي للمليشيا، وسيمتد الرعب بلا شك للدول التي تسمح بمرور طائرات الدعم عبر أجوائها، وتمثل مذكرة الاعتقال وفقا لمراقبين بداية النهاية لطمر المشروع التخريبي للإمارات بالسودان.