آخر الأخبار

وترجَّل علم الدويم… حين تصمت المكاتب وتبقى السِّير

 

الحاج أحمد مصطفى

*حين يترجّل الرجال الذين عاشوا في صمتٍ خلف المكاتب، تدرك المدن أن بعض الأعمدة لا تُرى بالعين، لكنها تحمل السقف كلَّه. هكذا كان  السيد علم الهدى الشفيع، أحد أبناء الدويم البررة، الذين ارتبط اسمهم بخدمة الدولة والناس، لا بالأضواء ولا بالمناصب.

*قرابة خمسين عاماً قضاها علم الهدى الشفيع في موقعٍ يبدو واحداً في ظاهره، لكنه في حقيقته كان شاهداً على تحوّلات كبرى في تاريخ الإدارة والحكم المحلي. شغل منصب سكرتير المدير التنفيذي لمحلية الدويم، وقبلها عندما كانت الدويم عاصمة للمديرية، وبعد ذلك محافظة …كان شاهدا على عهد محمد السيد الشعار، محافظ المديرية بمساحتها الحالية من جودة إلى الشيخ الياقوت.

*لم يكن علم الهدى مجرد موظف يؤدي واجباً روتينياً، بل كان ذاكرةً مؤسسية متحركة، ومرجعاً غير مكتوب، يعرف الأشخاص قبل الملفات، ويستحضر التاريخ قبل القرار. عاصر وعمل مع قامات إدارية وتنفيذية بارزة، من بينهم: محمد السيد الشعار، محمود بابا، دبلوك، عبد المنعم حافظ، آدم الطاهر حمدون، المرحوم إبراهيم هباني، إسماعيل نواي، علي آدم عليان، شينبو، حمدتو مختار، مصطفى البر، عثمان قادم، سيد محجوب، محمد علي فضل الله، التوم الفاضل، عبد العزيز عمر الحسن، عمر الخليفة، الدسيس، عبد الغفار فرج الله، وأبو عبيدة عجبين، وصولاً إلى البروفيسور صلاح محمد إبراهيم، المعتمد المكلّف الحالي.

*كما عاصر فترات سياسية مفصلية، من الحكم المايوي والاتحاد الاشتراكي، إلى انتفاضة أبريل 1985، وفترة المشير سوار الذهب، ثم الديمقراطية الثالثة، فعهد الإنقاذ، ليصبح شاهداً نادراً على تعاقب الأنظمة السياسية، دون أن يغادر موقع الخدمة العامة أو يحيد عن مهنية الدولة.

*وشهد أيضاً مرحلة الإقليم الأوسط في عهد الحاكم عبدالرحيم محمود، حين كانت الدويم جزءاً من الإقليم الأوسط ثم الولاية الوسطى، مروراً بفترة اللواء عبد الرؤوف والعقيد العوض محمد الحسن، إلى أن انفصلت ولاية النيل الأبيض إدارياً عن ود مدني، وكانت الدويم بوابتها الإدارية والسياسية.

وفي تلك المراحل، استقبلت الدويم من ربك حاضرة الولاية ولاة كباراً، من بينهم: عبد الله دينق نيال، عبد الله سيد أحمد، المتعافي،عبدالرحمن نور الدين  محمد نور الله، المرحوم يوسف الشنبلي، كاشا، أبو القاسم بركة،اللواء خميس .. اسماعيل وراق، الشاذلي، عمر الخليفة، وصولاً إلى سعادة الفريق قمر الدين محمد فضل المولى، الوالي الحالي.

*ولم تتوقف مسيرته عند حدود الخبرة العملية وحدها، فقد تدرّب علم الهدى الشفيع على أيدي كبار الإداريين في مدرسة الحكم المحلي، ومن بينهم اساطين وفطاحلة  المراسم بالقصر الجمهوري ومراسم الدولة  فاكتسب الانضباط والدقة، وفهم البروتوكول وأعراف الدولة، ليغدو ركناً ثابتاً في كل مرحلة إدارية مرت بها الولاية.

*ورغم بلوغه سنّ المعاش قبل سنوات، أدرك الوالي السابق عمر الخليفة قيمة الرجل وخبرته المتراكمة، فآثر الإبقاء عليه في الخدمة، باعتباره ذاكرة الولاية الحيّة ومرجعها الإداري الذي لا يُعوَّض.

*وإذ تطوى هذه الصفحة المضيئة من تاريخ الخدمة العامة، فإن الاستفادة من تجربة علم الهدى الشفيع تظل واجباً لا ترفاً.. وهنا تبرز مسؤولية سعادة الفريق الركن قمر الدين محمد فضل المولى، والي ولاية النيل الأبيض، في توظيف هذه الخبرة المتراكمة في إعداد جيلٍ جديد من رجال المراسم والحكم المحلي، ينقلون تقاليد الدولة وانضباطها، ويشرّفون الولاية وضيوفها. فمثل هذه التجارب لا ينبغي أن تُودَع في الذاكرة وحدها، بل تُستثمر في بناء الإنسان وصون هيبة الإدارة.

*وبرحيله عن موقعه، لا تفقد الدويم موظفاً فحسب، بل تطوي صفحة كاملة من تاريخها الإداري والسياسي. ويغدو علم الهدى الشفيع واحداً من آخر الشهود على تاريخ النيل الأبيض في تلك الحقب الطويلة، ما يجعل تكريمه واجباً أخلاقياً ومؤسسياً على ولاية النيل الأبيض ومحلية الدويم ، صوناً للتاريخ، واعترافاً بعطاء رجلٍ خدم الدولة بإخلاص بعيداً عن الضجيج.

*ترجّل علم الهدى الشفيع، وبقي أثره

وبقيت الدويم شاهدة على أن بعض الرجال لا تصنعهم المناصب، بل تصنعهم السنين، ويخلّدهم الصدق والتجرد.