آخر الأخبار

لآلئ بأقلامهم (34) (لاعب الشطرنج ) للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ (أ)

صمت الكلام

فائزة إدريس

 

*الشعور الجسدي الوحيد الذي بقي كان الظمأ الرهيب، ربما بسبب حمى التفكير واللعب غير المنقطعين كنت أشرب الإناء عن آخره على جرعتين، وأعذب الحارس بطلب المزيد، ومع ذلك أشعر في التو واللحظة بلساني يجف في فمي. وأخيرا وصل انفعالي أثناء اللعب؛ حيث إنني لم أفعل أي شيء آخر من الصباح حتى المساء، لدرجة أنني لم أعد أطيق الجلوس هادئاً للحظة، فكنت وأنا منشغل بالدور أقطع الغرفة ذهاباً وإياباً دون توقف، وأسرع خطاي أكثر فأكثر ذهاباً وإياباً بمزيد من التوتر كلما اقترب حسم الدور.

*شهوة الفوز والانتصار على نفسي تحولت تدريجياً إلى نوع من الغل، كنت أرتجف من قلة الصبر، فدائماً ما كانت أنا الشطرنج بداخلي مستاءة من بطء الأخرى. كانت أنا واحدة تطارد الأنا الأخرى. قد لا تصدق هذا السخف لكنني بدأت أسب نفسي – أسرع ! أسرع أو تقدم ! تقدم ! – عندما تتأخر أنا على الأخرى في الرد على حركة هجومية.

*بالطبع أدرك اليوم تماماً أن حالتي كانت شكلاً مرضياً من أشكال الشد العصبي لا أجد له تسمية سوى اسم طبي لم يدرج بعد وهو التسمم بلعبة الشطرنج، فقد بدأ هذا الاضطراب الجنوني يؤثر عليّ جسمانياً بعد أن هاجم مخي.

*وجدت نفسي أنحف وأصاب بالأرق أثناء النوم وأحتاج لجهد جهيد لأستفيق من ثقل جفوني وكأنها من رصاص. أحياناً كنت لا أقوى من شدة الإنهاك ورعشة يدي على رفع كوب إلى شفتيّ، لكن ما يكاد يبدأ دور إلا تنتابني قوة هوجاء، فأذهب وأجيء مضموم القبضة، وأسمع صوتي من بين ضباب أحمر يصرخ إلى نفسه من حين لآخر، وهو مبحوح مليء بالشر (كش ملك).

نهاية المداد:

أنا لست أذكى إنسان في العالم ، كل ما في الأمر أني لا أسمح لأحد إطلاقا بالتفكير نيابة عني.

(ألبرت أينشتاين)