
طفولة أبناء المغتربين… بين الهوية والاندماج
درب التبانة
د. الحسين تاج الدين احمد
*تظل طفولة أبناء المغتربين تجربة خاصة تحمل في طياتها الكثير من التحديات والفرص، فهي طفولة تنشأ بين ثقافتين مختلفتين، ثقافة الوطن الأصلي التي تحاول الأسرة الحفاظ عليها، وثقافة المجتمع الجديد الذي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية، فيكبر الطفل وهو يحمل هوية مزدوجة قد تمنحه ثراء معرفيا لكنه في الوقت ذاته قد يضعه أمام أسئلة صعبة عن الانتماء والهوية، فاللغة مثلا تصبح ساحة صراع بين لغة الأم التي قد تضعف إذا لم تدعم داخل البيت، ولغة البلد المضيف التي يتقنها الطفل بسرعة ويستخدمها في المدرسة والشارع، ومع اللغة تأتي اللهجة واللكنة التي قد تكشف عن جذور الطفل وتجعله أحيانا عرضة للتساؤلات أو حتى التمييز، لكنه مع الوقت يتعلم التواؤم في التنقل بين البلدين فيبدل لهجته بحسب السياق، فيتحدث بلكنة محلية ليشعر بالاندماج في المجتمع الجديد، ويعود إلى لهجة الوطن حين يكون بين أهله وأقاربه، وهذا التبديل يصبح جزءا من شخصيته ووسيلة للتكيف مع البيئتين.
*أما الاندماج الاجتماعي فقد يكون تحديا آخر إذ يواجه الطفل اختلاف العادات أو المظهر أو الدين مما قد يخلق شعورا بالانعزال أو الاغتراب النفسي، ومع ذلك فإن هذه الطفولة ليست سلبية بالضرورة فهي تمنح الطفل فرصا للنمو والانفتاح على ثقافات متعددة وتعلم أكثر من لغة واكتساب مرونة نفسية تساعده على التكيف مع بيئات مختلفة، ويبقى دور الأسرة محوريا في توفير بيئة داعمة تحافظ على الهوية وتمنح الطفل مساحة للاندماج والتوازن بين الثقافتين، وهنا تظهر أهمية النصائح العملية للحفاظ على الوطن الأصلي مثل الحرص على تعليم اللغة الأم في البيت وتشجيع الأبناء على المشاركة في اللقاءات والأنشطة الثقافية والاجتماعية التي تعزز الانتماء وتمنح الطفل فرصة للتعرف على تراثه بشكل حي، كما يمكن للأسرة أن تزرع في أبنائها حب الوطن عبر القصص والزيارات الدورية عند العودة ليبقى الوطن حاضرًا في الذاكرة رغم البعد الجغرافي.
*طفولة أبناء المغتربين هي رحلة معقدة لكنها أيضًا غنية بالفرص، رحلة تحتاج إلى وعي الأهل وإلى دعم المجتمع حتى تتحول إلى تجربة بناء لا إلى تجربة فقدان، فهي طفولة تقف عند مفترق طرق بين الحنين للوطن والانتماء للمكان الجديد، وبين البحث عن الذات في فضاء واسع يشبه اتساع درب التبانة.